الحوار الشعبي الإماراتي: تكيُّـــف القيم، و رمي الطماطم

بقلم: عبدالله محمد خليفه بن حبتور

التغير الإجتماعي لا ينطبق عليه مفهوم التحول و الإستحداث من منطلق حذف الوضع السابق للمجتمع وولادة حياة جديده لا ترتبط بالواقع الثقافي القديم، بل من الحكمة إعتباره “تكيُّف المجتمع” على  متغيرات البيئة الخارجية طبيعية كانت ام مفروضة، فهذا التكيف ينبثق من قبول المجتمع إعادة برمجة أولويات قِيمه الذاتية التي تفرض ثقلها على فكر الفرد و تشكل مدارك فكريه محدِّدةً لعلاقة الفرد (او المجتمع) ببيئته الخارجية التي تتخلل جميع قراراته، أولوياته، و سلوكياته و لا يفقد المجتمع تركيبة القيم تلك من خلال التغيير بل يبني تركيبة جديدة تأقلماً و تكيفاً مع الواقع الجديد بشكل تراكمي غير محسوس، أي لا يحدث التغيير بصيغة أمر ” تغيروا ” و انما من خلال تغيرات البيئة الخارجية التي تفرض التأقلم على الفرد والمجتمع واعادة صياغة تركيبة قِيمه الجوهرية. 

فالمجتمعات القبلية تتمسك بقيم “تجمعيه” قوية ترفض “الفردية” و مخالفة تلك القيم تعتبرها تحدياً لتماسكها الإجتماعي و خلافاً لأصوله الرمزية بما فيه من إخلال لموازينه وهذا لا يعني رفض هذه المجتمعات للتغيير بل هي مرحلة مرت بها جميع الشعوب ولا زالت قيم القبلية الجميلة تتجلى في أكثر المجتمعات تقدماً.


المجتمعات القبلية تضطر للتأقلم وإعادة صياغة قيمها الجوهرية لأسباب عدة منها تنافس الافراد على الموارد الحيوية كالوظائف والتنافس التجاري و التي تفرض مفهوم التمييز والإبداع على تلك القيم “التجمعية” التي تقيِّم الافراد على أساس الانسجام مع بقية المجتمع من خلال التكافؤ و الترابط و التجانس؛ و تأقلماً مع ذاك التنافس يعيش افراد المجتمع مرحلة تكيف تتحول فيها القيم “التجمعية” إلى قيم “فردية – صراعية” ترفض كل ما له علاقة بالتجمع، و في هذه المرحلة تشتد الخلافات و صراعات القوة بين هؤلاء الفرديين داخلياً و مع ذويهم أنصار التجمعات القبلية الرافضين لقبول الواقع الجديد بين الجمهور حيث  يغيب الحوار و تكثر المناظرة و يرى كل منهم الآخر و كأنه ضد منافس له على الموارد وغايات التميز التي يعيشها المجتمع الجديد من خلال تركيبة القيم الجوهرية الجديدة.

و من أصول و سبل نجاح هذا التحول والتكيف هو ان يبلغ الافراد مرحلة الاختلاف العكسي على جوهر القيم، و ان يترك المجال لحوار وجدال و صراع شعبي على الساحة الفكرية، لكي يحدد الافراد القيم الشعبية الجديدة وبالأغلبية و يرسموا حدود التعايش مع اختلافاتهم التي تهدف لغاية شعبية واحدة تخدم جمهور الشعب.

حيث أن الفردية واقع لا بد منه، و نحن في تكيف مع واقعنا وعلى سكة التكيف إلي تركيبة قيم فردية، والصراع الحالي محتم لا محالة، و لا ارى جواز المجاملة بين افراد المجتمع وبالأخص من سبقوا التجمعيين إلى وضع فردي أو القبليين الرافضين لهذا التغيير فالمجاملة على حساب واقع لا نستطيع تغييره لا تعزز التغيير بل تخلق فجوة بين تلك الشرائح و تؤدي إلى نزعات فردية تعصبية في المستقبل.  دعوا الصراع يأخذ مجراه في حدود الواقعية، دعوهم يختلفوا و يشتدوا و لنرى ما ينتج عن ذلك الصراع، فالتغيير ليس “تنويراً” يأتي به نخبة والمثقفون بل هو ما يريده الجمهور من المجتمع من تكييف ونحن في مرحلة فكرية حساسة، فلندع الجميع يفكر و يطرح رأيه، إن كان مطلباً شعبياً لقى التصفيق، وان كان رأيا هجينا مستحب لقي الحوار و النقاش، و إن كان مرفوضاً شعبياً لقي رميا بالطماطم. فهذا هو الحوار الشعبي و لنكن على يقين أن طريق التغيير ليس مفروش بالورد بل ملئ باختلافات واتفاقات الجمهور.

تويتر:
‏ABinhabtoor@

Advertisements

4 thoughts on “الحوار الشعبي الإماراتي: تكيُّـــف القيم، و رمي الطماطم

  1. بسم الله الرحمن الرحيم
    السلام عليكم

    سبحان الله .. كان المرحوم القذافي
    و بغض النظر عن رأيي الشخصي فيه كإنسان
    كان دائماً ما يذكر الحوار الشعبي
    فالحوار يذكي و يزكي النفوس
    في حين الفردية و الشخصانية
    هي التي كونت عصور الظلمات و الجهل
    و الجاهلية
    و لعل التماسك يأتي من خلال الحوارات الشعبية
    و لكن لا تنس أيضاً بأن الحوارات وحدها لا تكفي
    فالمهم أن يكون الحوار مباركاً ببركات الله تعالى
    فأيما عملٍ نزع منه البركة كان وبالاً على أصحابه
    فكيف نطلب البركة و نحن لا نزال نعاني من تفشي ظواهر غير شرعية
    كالربا و الفجوة بين الفقراء و المساكين
    و ربما انعدام الكثير من الخدمات عن الغير ميسورين
    و توفرها بفحش عند الميسورين
    سبحانك اللهم و بحمدك أشهد ألا إله إلا أنت استغفرك و أتوب إليك

  2. مقال ،، يجب أن يُنشر في الصحف الرسميه وليس في المدونات فقط
    رد مجزي على كل من يدعو المجتمع للتحول إلى العولمة بطريقه لا يراد بها خير
    بارك الله فيك أخي عبدالله
    مقال رائع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s