أسباب العلمانية في المجتمعات الإسلامية – الجزء الأول

بقلم / جاسم السويدي

 

إن أعظم خير ومنة قد منّ الله تبارك وتعالى بها علينا هي نعمة الإسلام. وأقوم شريعة هي شريعة الرحمن، فكانت الأمة التي استحقت أن تسمى بـ«المسلمين» لتحقق معاني الإسلام فيها: إسلام القلب والجوارح، وإسلام الفرد والمجتمع، وإسلام الحياة كلها لله تعالى وحده لا شريك له، وهو الإسلام الذي تضمنته تلك الكلمة العظيمة التي تعدل الكون كله، وهي: «لا إله إلا الله».

       ظلت هذه الأمة قرونا تقود الجماعة البشرية وتسيطر على العالم المتحضر إلا قليلا، وهي تتبوأ مركز الأمة الوسط بين العالمين الشرقي والغربي، كل ذلك بفضل إدراكها لتلك الكلمة العظيمة والعمل بمقتضاها وتحقيق مدلولها في واقع الحياة، ثم أخذ شأن هذه الأمة في الانحطاط وحضارته في الذبول وفقدت شيئاً فشيئاً مركزها المرموق وومنزلتها، ولم يكن لذلك من سبب إلا أن نور: «لا إله إلا الله» قد خفت، ومقتضياتها قد أهملت، فهذه الكلمة: «لا إله إلا الله» هي روح هذه الأمة وسر وجودها ومنبع حياتها، فإنها ظلت تفقد من ذاتها بمقدار ما تفقد من نور هذه الكلمة حتى آل الأمر في العصور الأخيرة إلى الفقدان الكامل أو شبه الكامل.

       وعندما تصاب أمة من الأمم بهذا المرض المدمر «فقدان الذات» فإن أبرز أعراضه يتمثل في الانبهار القاتل بالأمم الأخرى والاستمداد غير الواعي من مناهجها ونظمها وقيمها.

       وقد وقع ذلك في حياة الأمة الإسلامية تحقيقا لقوله صلى الله عليه وسلم : «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» رواه مالك بسند صحيح وأصله عند مسلم.

       لقد خيل للأمة أن هذا الداء العضال يمكن مداواته بشعارات ساذجة ومظاهر جوفاء تتلقاها جميعها من الكفار الذين أصبحنا نسميهم بـ«العالم المتحضر» أو بـ«الأمم الراقية».

       وكان استعدادنا الذاتي وقابليتنا للذوبان هما الأكبر للحرب النفسية الشرسة التي نسميها «الغزو الفكري» أمثال الاشتراكية – والقومية – والوطنية – والديمقراطية – والحرية – وفلسفة التطور – واللادينية، وغيرها من المسميات والشعارات، وسرت عدوى هذه الأوبئة سريان النار في الهشيم، وتغلغلت في العقول والقلوب، التي فقدت رصيدها من «لا إله إلا الله» أو كادت، وترتب على ذلك ظهور أجيال ممسوخة هزيلة، ومرت في مطلع هذا القرن حقبة مظلمة راجت فيها سوق الأفكار الموبوءة والمذاهب المنحرفة، حتى قيل: إن هذه الأمة تلفظ أنفاسها الأخيرة، ولكن الله رد كيدهم في نحورهم وأنبت في وسط الركام والظلام رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فانفجرت في كل بلد إسلامي حركة تصحيحية تستمد وقودها من الكتاب والسنة مباشرة، وتم إدراك أن سبب انحطاط هذه الأمة هو انحرافها عن حقيقة: «لا إله إلا الله».

معنى العلمانية

المعنى اللفظي

       لفظ العلمانية ترجمةغير صحيحية لكلمة «Secularism» وهي كلمة لا صلة لها بلفظ «العلم» ومشتقاته على الإطلاق، والترجمة الصحيحة للكلمة هي «اللادينية» أو «الدنيوية».

أما المعنى التعريفي لهذه الكلمة:

       تقول دائرة المعارف البريطانية في مادة «Secularism»: هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها، وظل هذا الاتجاه من خلال التاريخ الحديث كله باعتبار أنها حركة مضادة للدين ومضادة للنصرانية لما عانته هذه الشعوب من قسوة الحياة في ظل النصرانية المنحرفة المتسلطة.

ويقول قاموس «العالم الجديد» لوبستر: إن الدين والشؤون الكنسية لا دخل لها في شؤون الدولة ولاسيما التربية العامة.

ويقول معجم اكسفورد: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساسا للأخلاق والتربية.

       ويقول المعجم الدولي الثالث الجديد: إن اتجاه الحياة شأن خاص، وإن الدين له اعتبارات أخرى لا صلة لها بالدنيا ولا بالحكم، والقول المشهور: «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله» هو مأخود من إنجيل متى (17 – 21)، وقد تجاهلوا أن السيد المسيح قال ذلك ردا على اليهود الذين أرادوا الإيقاع بينه وبين قيصر الروم؛ فسألوه: هل ندفع الجزية والضريبة لقيصر أم لا؟ فرد عليهم بسؤال هو: ما الصورة التي توجد على الدينار والعملة التي بين أيديكم؟ فقالوا: هي صورة قيصر! فقال لهم: إذاً أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وهذا القول لا يعني أن مسألة الحلال والحرام لا تكون لله كما زعم دعاة العلمانية.

       والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو: «فصل الدين عن الدولة»، وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها فصل الدين عن الحياة، لكان أصوب؛ لذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية هو إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أم للفرد.

إذاً ما الأسباب التي أدت إلى دخول العلمانية في العالم الإسلامي؟

سوف نقوم بتقسيمات لكي يتضح الأمر بصورة أسهل.

– أولاً: انحراف الأمة الإسلامية.

– ثانياً: التخطيط اليهودي الصليبي

وسوف نؤجل ثانياً إلى وقت آخر.

ا       لحديث عن تأخر الأمة الإسلامية وانحطاطها في القرون الأخيرة طويل ومتشعب، ولكن السمة البارزة في هذا التأخر هي الانحراف عن فهم الإسلام نفسه، وهذا الانحراف هو نتيجة وسبب في آن واحد.

– نتيجة: للوهن الذي أصاب الأمة الإسلامية «حب الدنيا وكراهية الموت» وإصابتنا بالذل هو ترك الجهاد بالمفهوم الواسع للكلمة، ومعلوم من فقه التربية الإيمانية أن الله يعاقب على الذنب بالذنب، وهو صنف من أصناف العقاب، وهكذا عوقبت الأمة الإسلامية على انحرافها العملي والسلوكي بانحراف أشد منه في العقيدة والتصور.

وهو سبب لما تلاه من أحداث جسام ومخاطر جمة اجتاحت الرقعة الإسلامية من أقصاها إلى أدناها، وعلى سبيل المثال:

1 – الركود العلمي العام: الذي هيمن على الحياة الإسلامية في عصر كانت أوروبا فيه قد نفضت غبار الماضي وحثت الخطى على الطريق في العلم والاكتشاف.

2 – الضعف المادي والمعنوي: الذي جعل البلاد الإسلامية لقمة سائغة للكفار وجعل أوروبا تلتهمها قطعة قطعة، ولقد كانت هزيمة العثمانيين في «سان جونار» وتقهقر المماليك السريع أمام نابليون مؤشراً واضحاً على هذين المثالين، ولا ننسى كذلك تفوق الكفار علميا وعسكريا، والحقد الصليبي الذي بث سراياه الفكرية جنباً إلى جنب مع السرايا «الاستعمارية»، ورغم كل هذا فإن المسلمين لم يؤتوا إلا من قبل أنفسهم حسب القاعدة التي سنها الله تعالى في ذلك إذ قال: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وأوضحها الرسول[: «دعوت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة وألا يسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم حتى يقاتل بعضهم بعضا» مسلم.

       وعلى سبيل الإجمال نستطيع أن نقول: كما أن العلمانية ظهرت في أوروبا نتيجة لتحرير الدين النصراني، فقد ظهرت في العالم الإسلامي نتيجة انحراف المسلمين. أما مظاهر هذا الانحراف فيمكن إيجازها فيما يلي:

انحراف في مفهوم الأولوهية:

1- توحيد الطاعة والاتباع

2 – توحيد الإرادة والقصد «العبادة».

1 – توحيد الطاعة والاتباع

       نسي المسلمون تلك القاعدة التوحيدية العظمى: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» وغفلوا عن قوله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء}، وبذلك صرفوا هذا النوع من العبادة أو جزءا منه إلى الحكام والولاة وعلماء المذهب المتعصبين ومشايخ الطرق الصوفية، فضلاً عن المشعوذين الذين تهيأ لهم الجو بما كان يسيطر على الأمة من جهل وسذاجة، وقد كانت الدول التي تتقاسم العالم الإسلامي ثلاث دول:

الدولة المغولية في الهند، والدولة الصفوية في فارس، والدولة العثمانية في البحر الأبيض المتوسط.

– بالنسبة للدولة الصفوية: يمكن القول بأنها كانت منحرفة انحرافا يجعل انتسابها للإسلام اسماً فقط، فقد كانت باطنية، وكان الحكم فيها يجري على آراء وأهواء علماء الباطنية المتعصبين، وكان الشغل الشاغل لملوكها هو مهاجمة الدول العثمانية؛ لأنها سنية.

– أما الدولة المغولية: فكان بعض ملوكها مثل «أورنك زيب» جاهلين بحقيقة الإسلام، وكان فهمهم له مختلطا بكثير من الخرافات والتصورات غير الصحيحة، وذلك لأنهم لم يعتنقوا الإسلام الصافي، بل دخلوا فيه على الصورة المشوهة التي كانت عليها الأمة الإسلامية في العصر العباسي الثاني؛ حيث كانت الصراعات المذهبية والفكرية والطوائف الباطنية التي نخرت في جسم الأمة مما هيأ لهم اكتساح العالم الإسلامي، وهذا الجهل بالإضافة إلى كون المسلمين أقلية بين الهندوس، جعل إلغاء الشريعة الإسلامية من قبل الإنجليز لا يقابل بكثير من المعارضة.       يتبع

Advertisements

One thought on “أسباب العلمانية في المجتمعات الإسلامية – الجزء الأول

  1. بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

    الحمد لله رب العالمين … و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين … و أصحابه و آل بيته الغر المبجلين ،،

    أما بعد فتحية طيبة إلى ـ أخي في الله ـ ضرار ،، الموقر

    أود أن أبدأ كلمتي هذه بمطلع هذا البيت:

    ” و الله أتوح هالعقال من فوق راسي
    … من بعد ما تبينت لي الحقايق ”

    في الحقيقة هناك عدة نقاط استوقفتني و أريد التوقف عندها متأملاً متفكراً متدبراً فيها و في معانيها ، لأنني أعتقد بأن هذه النقاط التي تتلألأ في فضاء هذا المقال كالنجم الساطع هي ما تمكنت من التقاطه بقلبي لا بعيني لا بعقلي ; فجوهر ما أود أن أعلق عليه نابعٌ من أحاسيس و بنات أفكاري تتعلق بمجمل التجارب و الوقفات التي مررت بها في حياتي ، و لعل الهدف هو إصابة الهدف لا مجرد توضيح الهدف …

    فالدرة الأولى: “وقد وقع ذلك في حياة الأمة الإسلامية تحقيقا لقوله صلى الله عليه وسلم : «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتم، وحتى لو أن أحدهم جامع امرأته بالطريق لفعلتموه» … و صدق رسول الله ـ صلى الله عليه و سلم ـ

    فلقد رأيتني أعواما ًعديدة و سنين مديدة محاطاً بهذه الثقافة ، و التي نشرتها الماكينة الإعلامية الغازية لعقولنا مذ كنا شباباً يافعين ، فكم انحرف الأصدقاء و سقطوا في هذا الكمين بسبب هذا التقليد الأعمى ، التقليد الذي جائنا من خلال ما بثته وسائل الإعلام … فأرجو لمن أعلمهم و لا تعلموا عنهم الستر و العافية فالسداد و سد هذا الثغرة ، فمن وقع في حفرة ٍ فليرشد الآخرون حتى لا يقعوا فيها …

    و الدرة الثانية: “المعنى اللفظي : لفظ العلمانية ترجمةغير صحيحية لكلمة «Secularism» وهي كلمة لا صلة لها بلفظ «العلم» ومشتقاته على الإطلاق، والترجمة الصحيحة للكلمة هي «اللادينية» أو «الدنيوية».

    بكل أمانة … كنت أبحث منذ مدة طويلة عن المعنى الحقيقي لهذه الكلمة ، و ليس المعنى التحريري أو الكلمي أو الحرفي لها ، و من إطلاعي توصلت إلى عدة معاني و كلها كانت متناقضة ، فمثلاً سمعت على لسان الشيخ سليمان الجبيلان أنه عرف العلمانية بأنها تعارض النظام الذي يفصل بين أحكام الدين و شؤون الدولة أو السياسة التي تدار بها الدولة ، ما يعني أن من تبنى العلمانية كان هدفه هو إلقاء نظم الدين وراء ظهره و استنباط الأحكام و الأعراف بالإعتماد على العقل و الأسباب كما كان عند قدماء الإغريق أو الإعتماد على العلم و الاستخبارات و التقنيات كما هو حال الأمم القوية منذ نهاية آخر الحروب العالمية .
    يتبع …

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s