منظمات المجتمع المدني الساكتون عن الحق شيطان ناطق

بقلم / دكتور صادق الأنصاري

فَتَحَتْ ثورات “الربيع العربي” – كما تم الاصطلاح على تسميتها إعلاميا – المجال أمام مجموعة من الإشكاليات كان على رأسها مشكلة “المنظمات الحقوقية” التي طالما تشدقت بقيم “الحريات” و”حقوق الإنسان” و”الدفاع عن المظلومين والمقهورين” و”التصدي للديكتاتوريات والطغيان” تلك القيم التي روجوا لها في بلدان بينما سكتوا عنها في بلدان أخرى.. وما بين الصمت والإفصاح فلنبحث عن “رائحة الدولار” كي نكتشف أسباب صمت الساكتين عن الحقائق.

علينا العودة بضع سنوات إلى الوراء حيث خرجت الولايات المتحدة على العالم لتعلن حربها على الإرهاب فاحتلت العراق وأفغانستان للقضاء على الإرهاب المزعوم ونشر الحرية والديمقراطية، فكيف هي حال العراق وأفغانستان اليوم؟ وأين الحقوقيون مما يجري في هذه البلدان وغيرها؟

في العراق 8200 منظمة لا يعمل منها بشكل رسمي إلا 500 منظمة أما البقية فهي منظمات وهمية بلا موقع أو مقر. هذا الكم الضخم من عدد الجمعيات الأهلية لا يتناسب اهتمامها ونشاطها مع عدد المعتقلين والمعذبين والمهجرين في العراق، فعدد ضحايا الحرب الأمريكية على العراق وصل إلى أرقام فلكية حسب إحصاء رسمي صادر عن منظمة الصحة العالمية؛ التي أعلنت أنه عام 2003 وحتى عام 2008 قُتل

151.000 قتيل بينما نشرت مجلة “لانست” الطبية البريطانية أن عدد القتلى وصل حتى عام 2008 إلى

ما يقارب الـ 600.000 قتيل أي أن احصاء منظمة الصحة العالمية كان ربع الأرقام الحقيقية تقريبا.

وفي إحصائية صادرة عن محكمة بروكسل وصل عدد قتلى العراق من جانب القوات الأمريكية إلى أكثر 1.500.0000 عراقي

بالإضافة إلى اغتيال 464 أكاديميا وعالما عراقيا ومقتل 174 صحفيا، ووصل عدد الأرامل إلى 3000.000 أرملة.

وبحسب آخر احصائيات منظمة الهجرة الدولية وصل عدد المهجرين العراقيين إلى 1.600.0000 داخل العراق ولجوء

 كثر من 4000.000 عراقي في مختلف دول العالم.

أما بالنسبة لأطفال العراق فإن الأرقام الرسمية التي صدق عليها مسئولون في الحكومة والبرلمان العراقي وصلت إلى 2.500.0000 طفل يتم استغلالهم في سوق العمل

والنخاسة بما فيها الدعارة خاصة الفتيات منهم. مع العلم أن وزارة العمل الأمريكية خصصت مبلغ 59 مليون دولار للقيام بمشاريع في 19 دولة عده من أجل القضاء على ظاهرة استغلال الأطفال، بيد أن هذه الـ 19 دولة لم تكن العراق من بينهم ولم نسمع عن منظمة من منظمات المجتمع المدني تهتم بهذا الشأن من قريب أو بعيد.

فأين اهتمام منظمات حقوق الإنسان في العراق من هذه الملايين التي تم قتلها وتهجيريها؟ اين منظمات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية من حالات التعذيب والاعتقال في العراق والتي وصل عدد المعتقلين فيها في عام 2010 إلى 23000 معتقل تعرضوا لأبشع أنواع التعذيب ويكفي ما كان يجري في سجن أبو الغريب الذي كان

به 6527 سجينا في عام 2004 أي عقب الاحتلال الأمريكي مباشرة؟ لماذا صمتت الجمعيات الحقوقية عن هذه  الانتهاكات الفاضحة بينما راحت تزعج الدنيا بممارسات وانتهاكات في دول عربية أخرى؟؟.. إبحث عن “رائحة الدولار” تكتشف أسباب صمت الساكتين عن الحقائق.  وتضاف إلى العراق دولة أخرى هي أفغانستان التي احتلتها الولايات المتحدة عقب أحداث 11 سبتمبر بحجة محاربة الإرهاب والقضاء على تنظيم القاعدة وطالبان اللذين يمثلان خطرا على الأمن العالمي وينتهكون حقوق الإنسان وفقا للرواية الأمريكية، والسؤال ألم تنتهك أمريكا وقواتها العسكرية حقوق الإنسان في أفغانستان؟ ولماذا صمتت منظمات المجتمع المدني عن مثل هذه الانتهاكات؟

لقد قتل 8756 حتى يونيو 2011 من قوات الأمن الأفغانية بينما وصل عدد الضحايا من من المدنيين الأفغان 12000 على الأقل حتى سبتمبر 2011 ، ووصل أعلى معدل للقتلى من المدنيين الأفغان في شهر واحد إلى 368 قتيلا وذلك في مايو 2011، أما عدد النازحين فقد وصل إلى 3.300.000 نازح داخلي، وكان أعلى معدل للقتلى في عام واحد هو عام 2008 حيث وصل عدد القتلى من المدنيين الأفغان إلى 2118 قتيلا.

وإذا كانت هذه الأرقام المفزعة شهدتها أفغانستان –أو شهدت أغلبها- في عهد جورج بوش فإن عهد باراك أوباما لم يقل إجراما فقد قام جندي أمريكي بارتكاب مجزرة بشعة في إقليم قندهار قتل على إثرها 17 شخصا بينهم نساء وأطفال وجاء التحقيق مع الجاني وفقا للقضاء الأمريكي وعلى الأرض الأمريكية وتم اتهامه بأنه ارتكب الجريمة وهو في حالة سكر وهو ما يمثل قمة امتهان حقوق الإنسان التي لم نسمع واحدة من تلك المنظمات التي تملأ عالمنا العربي ضجيجا وصخبا وهي تدين هذه الانتهاكات.

إن أوضاع حقوق الإنسان والحريات في أفغانستان لم تشهد أي تقدما ملحوظا منذ الغزو الأمريكي وذلك باعتراف وشهادة من أهل الدار أنفسهم حيث قالت منظمة هيومن رايتس ووتش أن وضع حقوق الإنسان في أفغانستان مازال “حرجا” وإذا كانت هذه النتيجة هي ما تم الإعلان عنه فإن ما خفي دائما يكون أعظم، ولعل الأرقام السابقة تؤكد ذلك، والسؤال المهم” أين منظمات حقوق الإنسان من هذه الجرائم الإنسانية والأخلاقية؟ ولماذا تصمت عنها؟ والإجابة:

إبحث عن “رائحة الدولار” تعرف أسباب صمت الساكتين عن الحقائق.

في 12 مارس 2011 نظم عدد من الصوماليون مظاهرة شارك فيها آلاف من السكان ضد التدخل العسكري الأجنبي لكن أحدا لم يسمع شيئا من وسائل الإعلام العربية التي روجت لهذه المظاهرات في مصر وتونس وسوريا.. ولم يسمع أحد عن منظمة من منظمات المجتمع المدني تدعم هؤلاء الناشطين، هل لأنهم كانوا إسلاميين أم لأن أمريكا تستفيد من تدهور الأوضاع في الصومال؟!

في الصومال أكثر من 3.700.000 شخص يواجهون خطر الموت جوعا بسبب الجفاف، ولا يمر يوم إلا ويسقط قتلى جدد في الشارع الصومالي جراء الحروب الأهلية هناك، ووصل عدد النازحين الصوماليين في العام الجاري إلى 77000 نازح، وفي عام 2011 سجلت الإحصائيات عدد 4000 حالة عنف ضد النساء وبات الاعتداء الجنسي ظاهرة شبه يومية تعاني منها المرأة الصومالية، فأين اهتمام منظمات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية من هذه الانتهاكات الصارخة؟! فلنبحث عن “رائحة الدولار” لنعرف أسباب صمت الساكتين عن الحقائق. نفس الصمت نجده في بلد مثل نيجريا التي يعاني فيها المسلمون من مذابح وإبادة جماعية فضلا عن التهجير القسري. فمنذ 10 سنوات والمسلمون في نيجيريا يتعرضون لابشع أنواع الجرائم والقتل ففي عام 2008 قتل نحو 200 شخص مسلم ونفس الرقم أو ما يقاربه حدث في مدينة جوس النيجيرية عام 2010 دون أن نسمع صوتا لهذه الجمعيات التي تغض الطرف عن مقاتل المدنيين المسلمين في نيجريا.

أما في فلسطين فحدث ولا حرج عن عدد القتلى وعن الصمت في نفس الوقت فقد سجلت إحصائيات رسمية حددت المدة الزمنية ما بين عامي 2000 إلى 2010 أن 7597 شخصا قتلوا على يد قوات الأمن الإسرائيلية من بينهم 527 حالة اغتيال و539 طفل دون سن الـ 15 عاما و18 فلسطيني من عرب 48 وعدد آخر من بين العدد الكلي كان ضمنه صحفيون وشخصيات قتلت في ظروف غامضة بينما قتل عدد 202 آخرين على يد قوات الأمن الفلسطينية ليكون العدد الكلي هو 7799 قتيلا خلال عشر سنوات، ناهيك عن عدد المعتقلين والمشردين دون أن يكون لهذه الانتهاكات أي صدى أو إثارة من جانب منظمات المجتمع المدني العربية والفلسطينية. والسبب هو “الدولار” الذي يجبر أصحاب المصالح على السكوت في الوقت الذي يجب أن يتكلموا فيه.

كنا ننتظر من هذه المنظمات أن تكون عادلة ومتابعة لما يجري في بلدان الثورات العربية بعد زوال النظم القديمة لكن ما جرى في مصر وليبيا خير دليل على فساد هذه المنظمات، فليبيا تشهد هذه الأيام أسوأ أنواع التعذيب والسجن والقتل في السجون الليبية التي تسيطر عليها الميليشيات فهناك ما يقرب من 6000 آلاف معتقل بينهم أطفال ونساء من قبل الميليشيات المسلحة التي تعتقل بغير سند قانوني كل من يؤيد النظام السابق، وإضافة إلى الرقم السابق هناك 2382 معتقلا في 23 سجنا حكوميا تشرف عليهم الحكومة دون التحقيق معهم، وبجانب هذه الأعداد من المعتقلين هناك أكثر من 80000 ألف لاجئ يعيشون في مخيمات بالقرب من مدينة مصراته ويتعرضون لأبشع أنواع الإهانات، فأين هم إذن من هذه الانتهاكات.. إنهم صامتون حيث تكون مصالح الأمريكان وحيث تفوح رائحة “دولاراتهم”.

قبل هجوم الناتو على يوغوسلافيا عام 1999 تسربت وثيقة لـ “سي أي إيه” تتضمن خطة عمل لتمويل هيئات المجتمع المدني في يوغوسلافيا قبل تفكيكها للتعجيل بإسقاط النظام ونشر القيم الأمريكية، بعد ذلك تداولت وسائل الإعلام العربية أن نشطاء مصريين تلقوا تدريبهم في أوكرانيا وصربيا، هل هناك رابط بين هذا وذاك؟ في الحقيقة ثمة راب?طة قوية جدا تتمثل في منظمة شهيرة هي “فريدوم هاوس” أو بيت الحرية، وهي منظمة غير حكومية تأسست عام 1941 تقوم بإجراء بحوث حول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وتتلقى تمويلا مباشرا من حكومة الولايات المتحدة كما يمولها ايضا الصندوق الوطني للديمقراطية لجورج سوروس الصهيوني ورجل الأعمال الشهير، وقد قامت بتدريب شباب في صربيا للاستفادة من تجربة الاطاحة بحكم سلوبودان موليفيتش في عام 2000، ومن الجدير بالذكر أن فريدوم هاوس وضعت قائمة بالدول “الحرة ” في المنطقة العربية ووضعت إسرائيل باعتبارها الدولة الوحيدة “الحرة” في المنطقة العربية أما الكويت، لبنان، المغرب، فصنفتها بالدول “الحرة جزئيا” بينما وضعت: مصر، السعودية، إيران، باعتبارها دولا “غير حرة”، وبالتالي عندما نسمع الضجيج الذي تثيره منظمات حقوق الإنسان حول انتهاكات هذه الحقوق في دولة مثل مصر لا نتعجب بعدها عندما نكتشف أن هناك مخططات لتقسيم مصر.

إن إجمالى عدد منظمات المجتمع المدنى في مصر قبل 2011 بلغ 800 منظمة، فى حين أن عدد المنظمات التى تم إنشاؤها من مارس إلى ديسمبر 2011 بلغ 4500 منظمة، من بينهم 80 منظمة أجنبية، وكانت قيمة المعونات الأجنبية التى تلقتها منظمات المجتمع المدنى فى الفترة من 2006 وحتى 2010 بلغ 60 مليون دولار، فى حين أن إجمالى المعونات من مارس إلى نوفمبر 2011 بلغ 174 مليون جنيه، والمدهش أن منظمة واحدة تلقت في يوم واحد 273 مليون دولار، والسؤال هو: هل ما تشهده مصر من انتهاكات اكثر رعبا وانتهاكا مما رصدناه في بلدان مثل العراق وافغانستان والصومال ونيجيريا وليبيا وفلسطين أم أنه الصمت حيث تكون الرغبات الأمريكية صامتة والضجيج حيث تثير الدولارات الضجيج؟!

إن ما شهدته مصر خلال العام الماضي كشف النقاب عن الوجه القذر لهذه الجمعيات التي تلعب دورا استخباراتيا بدليل الكشف عن مخطط لتقسيم مصر إلى ثلاث دويلات، كما أن هدفها هو شق وحد الصف الوطني بإثارة الفتنة بين طوائف الشعب وأيديولوجياته المختلفة فالسجال الفكري والثقافي الساخن الذي تشهده مصر اليوم لم تشهده من قبل في كل تاريخها ولا أحد يعلم إلى ما سينتهي الحال في بلد الكنانة.

إن الدور الابرز الذي تقوم به المنظمات الحقوقية في العالم إنما هو دور استعماري إمبريالي ليس إلا، بدليل أن أي منظمة من هذه المنظمات لا يمكنها أن تتلقى تمويلا من الخارج إلا إذا كان المشروع المراد تمويله ينطبق تماما مع الأجندة الأجنبية وهو ما يمثل شكلا واضحا من أشكال الاستعمار والاحتلال بكل مستوياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تميهدا للاحتلال الأكبر وهو الاحتلال العسكري وما حدث في أفغانستان ثم العراق ثم ليبيا أكبر دليل على ذلك.

وتبقى الحقيقة في النهاية هي “رائحة الدولار” التي تُحرك أنوف هذه الجمعيات في فضائها وأفقها وفقا للمصلحة الأمريكية، فكل البلدان التي تتعالى فيها أصوات هذه المنظمات هي بلدان تسعى أمريكا بشكل أو بآخر إلى السيطرة عليها أو تفتيتها وكل البلدان التي تعاني من انتهاكات صارخة دون أن تجد من يدافع عنها هي بلدان لأمريكا فيها مصالح، فيصرخ الصارخون حيث تريد أمريكا ويصمتون حيث تشاء، ولكن الساكت عن الحق شيطان أخرس أما هذه المنظمات فهي شيطان لأنها تسكت عن كل هذه الحقائق ولكنها شيطان ناطق يملأ الدنيا ضجيجا لمصلحة الدولار.

Advertisements

One thought on “منظمات المجتمع المدني الساكتون عن الحق شيطان ناطق

  1. ماما امريكا.. تخاف على ثرواتها المتناثرة في الدول العربية العاقة لها ، فكيف لها ان تعيدهم الى كنفها وان يعترفون بها ك ام لهم الا ان تكون الصدر الحنون في الازمات في الامارات لنا مثل لطالما اعجبت به : حيث يقال : خذ علوم الدار من عيالها ! نعم هاهي امريكا تتدخل بعد نشوب الخلافات وذلك عن طريق صغار القوم وشراذمة الاوطان كالاخونجية مثلا .. او الفقراء .. فمن خلالهم سيصلون الى ما يريدون بسهوله بالغة وهذا هو ما نراه جليا بعد الاحداث التي تجري في العالم العربي منذ ايام العراق . والان اروع واسهل طريقة لهم جلد التمساح الذي يتمثل في هيئة حقوق الانسان والمحكمة الدولية ، اين حلولهم؟ هل رايتم منهم يوما تدخلا في موضوع لا يدر عليهم الا الثروات . العراق ومصر وليبيا وتونس. وغيرها . وها هي امريكا تتدخل في سياسات الدول الهانئة كالامارات والسعودية عن طريق عملاء الشر او ما يطلقون على انفسهم اخوان المسلمين واين هم والاسلام اين ؟ طرق مختلفة ويبقى العربي في سبات عميق كما نرى ، فنراه لا يرضى التدخل نعم ولكن لو تكلم احد وصارح بالذي يحصل سنراه اول واحد يقول نحن بخير ؟؟؟!!!! انتم بخير وامريكا على الابواب والنوافذ . ويحك من عقل تعمي صاحبك ، ويبقى العربي بحماقة صامت. اعذروني فواقع العربي اصبح في الحضيض ها هي نتاج الحرية المتامركة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s