غطرسة نجاد

بقلم/ أحمد الهاملي

نشر في: 19 آبريل 2012

من الضروري مواجهة الغطرسة الإيرانية الجديدة بما يناسبها من دبلوماسية شرسة تحاصر طموحات طهران ومساعيها للهيمنة كما أظهرت زيارة أحمدي نجاد الأخيرة لجزيرة أبوموسى الإماراتية المحتلة.

يبدو أن الوضع في إيران متأزم إلى أبعد الحدود، فالدلائل الاقتصادية الواقعية تشير إلى حالة مزرية يعانيها الاقتصاد والشعب الايراني جراء الحصار الاقتصادي على البلاد، فمنذ جاء محمود أحمدي نجاد إلى هرم السلطة في إيران والامور تزداد سوءا لهذا البلد. بسمته المتشددة عرف، دائما ناجح في اثارة الشعارات ولكن تفتقد حكومته للوصول إلى الانجازات. وقراراته في مختلف المجالات سواء السياسية أو الاقتصادية يشوبها قصر النظر وسوء الطالع. قد أساء التقدير حين اعتقد ان بوسع الايرانيين الانتصار على ازماتهم الداخلية بمعاداة دول عظمى ودول جارة ودول أخرى. فلا ندري ما الذي يدفع إيران إلى الولوج في دهاليز هذه السياسية العقيمة التي تنتهجها حكومة نجاد. ولا ندري اين هو الشعب الايراني، الا يستطيع ثني الحكومة الايرانية عن تخبطاتها؟ الا يكفي ما يعانيه الشعب الايراني من بطالة وغلاء معيشة نتيجة التضخم وانخفاض دخل الفرد؟

في بادئ الامر، كان وصول نجاد إلى رئاسة الجمهورية في إيران عام 2005 وما أعقبه من السياسات قد جرا على ايران الويلات والمصائب. في عهد نجاد شهد الملف النووي الايراني تصعيدا لا سابق له، حين لجأت ايران لتحدي المجتمع الدولي فقد هددت بأنها سوف تنسحب من معاهدة منع الانتشار النووي وسوف توقف التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في حال فرض مجلس الامن عليها عقوبات اقتصادية، نتيجة لاستمرارها في عملية تخصيب اليورانيوم داخل إيران في منشآت نووية بعيدا عن رقابة الوكالة الدولية. أطلق هذا العمل صفارة الانذار لدول العالم بأن ايران تسعى إلى امتلاك القدرة على صناعة القنبلة النووية، هذا إذا استطاعت تخصيب اليورانيوم بدرجة عالية. ومن الواضح ان سياسة حكومة نجاد بشأن الملف النووي لم ترق للمقربين منه، فحسن روحاني كبير المفاوضين الايرانيين السابق انتقد السياسات النووية لحكومة نجاد وسعيها إلى المواجهة بدلا من حل هذا الخلاف بالتسوية والمفاوضات، وأكد أن هذه السياسات يمكن أن تؤدي إلى صراع عسكري مع الغرب. وعلى نحو مماثل، حذر محمد رضا خاتمي وهو برلماني ايراني سابق من أن السياسة الخارجية لحكومة نجاد تهدد وجود إيران كدولة، وسوف تؤدي إلى زيادة عزلتها الدولية أو ربما إلى طردها من الامم المتحدة.

بالطبع نتج عن سياسة العناد الخرقاء عواقب كان ضحيتها الشعب الايراني اولا والحكومة الايرانية ثانيا. فأصدر مجلس الامن قرارات عدة ذات صلة ببرنامج إيران النووي، وفرض الاتحاد الاوروبي عليها حصارا اقتصاديا يحد من صادرات النفط الايرانية، ويعول الغرب على هذه العقوبات ليرغم إيران على التخلي عن برنامجها النووي أو الاستجابة لمطالب الغرب بحل هذه المسألة عن طريق المفاوضات أو حتى تستفز الشعب للثورة على حكم نجاد. ويتضح أن كل هذه الامور لم تحدث بعد، فأستمر نجاد في نهجه السياسي من حيث التمسك ببرنامج إيران النووي وتخصيب اليورانيوم وعدم القبول بالحلول المطروحة من قبل الدول الغربية، رغم ما يعانيه شعبه واقتصاد دولته من وطأة الحصار الاقتصادي، هذا الحصار الذي أثر سلبا في الطبقة الوسطى من الشعب الايراني المعول عليها للقيام بثورة تزيح نجاد من السلطة، فقد بدأت بالعصيان في عام 2009 ولكنها آثرت الرضوخ في ظل الحصار الاقتصادي.

كانت البحرين مسرحا آخر للخطب النجادية وللسياسة العنجهية. فبعد المظاهرات التي قام بها الشيعة في البحرين عام 2011 وتصدي القوات البحرينية لهذه المظاهرات بحزم وقوة حفاظا على امن البلاد والعباد، وما دار في هذه المظاهرات من أحداث طائفية مقيتة اُستحثت من قبل قوى لا تريد الاستقرار للمنطقة، ودرئا لأي تدخل خارجي، استعانت البحرين بقوة من درع الجزيرة. وقد استثارت هذه الخطوة نجاد، وصرح بأن الدعم العسكري الخليجي للبحرين سوف يفشل وواصل انتقاده لجهود الحكومة البحرينية في حفظ الامن والنظام على اراضيها، مناقضا نفسه ومتناسيا ما فعلته قواته ضد المظاهرات التي قامت بها المعارضة الايرانية في عام 2009. ومما قاله نجاد في تصريحاته أن “مشكلة البحرين ليست مشكلة بين الشعب والحكومة، لكنها مرتبطة بوجود قواعد اميركية”. ولم يسأل نجاد نفسه عمن عينه وصيا على البحرين ليناقش شأنا داخليا يخصها وحدها. وقال أيضا بأن ايران لا تتدخل في شؤون البحرين ولكنها أذا تدخلت فسوف تتغير خارطة المنطقة. فكيف ستتغير خارطة المنطقة؟ ومن سيكون الخاسر الاكبر؟. من هذا يحق لدول الخليج العربي أن ترتاب أكثر فأكثر من نوايا الجارة الكبرى إيران خصوصا في ظل هذه الحكومة المتشددة.

على النقيض مما ابدته إيران من تأييد ازاء الثورات العربية التي اطاحت بحكام كل من تونس ومصر وليبيا واليمن، فكان موقفها من الثورة السورية مختلفا تماما فقد أيدت ما تقوم به الحكومة السورية من قمع همجي وإرهابي ضد شعبها، وامدتها بالعون ماليا وعسكريا وأمنيا وسياسيا. إن الكثير من التقارير تشير إلى ان إيران وحزب الله يشاركان بصورة فعلية في قمع الاحتجاجات في سوريا خوفا من انهيار حكومة بشار وهذا الدعم لا شك انه ذو بعد طائفي تأييدا للأقلية العلوية الشيعية، وللدور الفعال الذي تقوم به حكومة الاسد في نصرة ودعم حزب الله وامداده بالسلاح والعتاد، فسقوط الاسد سيخضع المنطقة لتغيير جذري وسيقلب موازين القوى فيها. ومن المؤسف والمخجل أن يشيد نجاد بالطريقة التي اتبعتها حكومة الاسد في التعاطي مع انتفاضة الشعب السوري وفي تصريحاته اعرب عن سعادته على ما يبذله المسؤولون السوريون في التعامل مع الاوضاع في بلدهم وكأنه لم يسمع بأن اكثر من 9000 شخص قضوا نتيجة القتل المُمنهج والتعسفي بحق السوريين. وتعهد أيضا بأن إيران ستبذل كل ما بوسعها لدعم بشار الاسد، ضاربا بعرض الحائط صيحات دول العالم بوضع حد لتعنت الحكومة السورية. واتهم نجاد دولا عربية بالتآمر مع الغرب للإطاحة بالقيادة السورية وتعزيز وضع إسرائيل في المنطقة، ونسي أن سياسته المتعجرفة اثارت النعرات الطائفية في المنطقة وزادت كيل التوتر، فلا نعلم من أين نلاقيها من إسرائيل أم من إيران.

و في خطوة غير مسبوقة، قام نجاد بزيارة جزيرة أبو موسى الاماراتية المحتلة، منافيا بذلك كل ما اتفقت عليه دولة الامارات وإيران لحل هذه الازمة عن طريق المفاوضات الثنائية أو حتى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية. ومما لا شك فيه أن زيارة نجاد تعد انتهاكا صارخا لسيادة دولة الامارات وللقانون الدولي وأظهرت مدى العدوانية التي تميز حكومة احمدي نجاد. إن زيارته هذه محاولة فاشلة لتغيير الحقائق التاريخية والقانونية التي تؤكد أن جزر الامارات المحتلة، طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، هي جزء لا يتجزأ من تراب الامارات العربية المتحدة، وسوف تدافع عنها حكومتها وشعبها بكل الطرق وستكون الدبلوماسية الهادئة والرزينة هي اول الطرق وانجعها ولكنها لابد ان تكون دبلوماسية بطريقة أشرس عن ذي قبل. فلا نستطيع من الان فصاعدا أن نأمن الجانب الايراني، فكم استهان بدولة الامارات ودول الخليج العربي وسعى إلى توتير الاوضاع الداخلية في منطقة الخليج وامتدت يده إلى دول عربية أخرى.

أن هذه الزيارة واكبها عدة معطيات، منها الوضع الايراني الداخلي المتأزم والضغوط الدولية على حليفه في المنطقة أي بشار الاسد. وقد تكون ردة فعل ارتجالية ومتهورة على اجتماع اسطنبول والذي توحد فيه المجتمعون على دعم المعارضة وإمكانية تسليحها وانشاء صندوق لدفع رواتب عناصر الجيش الحر السوري.

كما حثت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون على اسقاط نجاد، فأن على الدول التي تعاني من غطرسة نجاد ان تقوم بجهد سياسي أو لتتبع وتطبق بنود القرارات الدولية والحضر الاقتصادي، وتزيد الضغط على حكومة نجاد حتى تحث الشعب الايراني على القيام بثورته. لعل الايام القادمة حبلى بالمفاجئات، ولعل حكومة إيرانية جديدة تضع الامور في نصابها وتحترم حق الجار والصديق، وتنتهج سياسة مسالمة وودية.

أحمد الهاملي

ahmed.alhameli@aol.com

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s