أغطية لزندقات كاشغري

بقلم: عبدالوهاب القحطاني

حادثة كاشغري اتجهت بالبوصلة عند كثير من النابهين إلى البحث عن البيئة الحاضنة للزندقات في مجتمعنا، وفي هذه العجالة أضع معطيات حول هذه البيئة تحت فرعين: الغطاء الفكري، والغطاء السياسي.


الغطاء الفكري :

إن الغطاء الفكري لهذه الزندقات والاعتداءات الآثمة على دين الله يمكن تصنيفه – وفق تقديري – إلى صنفين، غطاء صلب، وآخر ناعم، والغطاء الصلب يتمثل في الدعوات اللادينية الصريحة، والكتاب الزنادقة الذين لهم سوابق في اعتداءات صريحة على قطعيات الإسلام، ومظنة هذه الكتابات والمواد الآثمة: الصحافة السعودية، والقنوات الفضائية الممولة من مصادر سعودية، والعديد من الروايات والكتابات الأدبية السعودية، والأخيرة عوضاً عن الإلحاد تحوي من مظان السقوط الأخلاقي الذي أصبح سمة تميز الملحدين والمتمردين على الدين والقيم.

وأما الغطاء الناعم فيتمثل في دعوات الحرية الغربية الفالتة عن قيد الشريعة، والتي ارتكس في حمأتها بعض من ظاهره التدين، ولو تلمسنا موقف هؤلاء قبل العدوان الآثم على جناب الرسول صلى الله عليه وسلم لوجدناهم ينظرون زمناً طويلاً وبحماسة مريبة للحرية المطلقة عن قيد الشريعة، ويجتهدون بتفان مزعج في تقبيح القول بتقييد الحرية بالشريعة وتشويهه، حتى صرحوا أن لا عقوبة على ساب الرسول صلى الله عليه وسلم شرعاً، مخالفين بذلك بدهية من بدهيات الإسلام، ومحكم من المحكمات التي أجمع عليها أهله، وظنوا أنهم يستدركون موقفهم حينما يقررون وجوب سن القوانين التي تعاقب على سب الرسول صلى الله عليه وسلم، ومعنى كلامهم ذلك أن هذه العقوبات ستكون عقوبات وضعية وهي أيضاً من جنس العقوبات التي تسن ضد من يسب الناس أياً كانوا، وأما من ناحية الشريعة فليس ثمة ما يميز الرسول عن غيره من ناحية تشريع عقوبة على سبه، هذه هي تقريرات حرية المنافقين وحرية الرأي التنويرية (الإسلامية!!) .

ومعنى كلامهم ذلك: أن ساب الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمعنا من الظلم عقابه لعدم وجود تنظيم ولا قانون مكتوب يجرم سب الرسول ويحدد العقوبة عليه، وأما استنادنا إلى الحكم بالشريعة فالشريعة – كما يفترون – لا تعاقب على سب الرسول صلى الله عليه وسلم إلا في الآخرة .

ولذلك خرج هؤلاء الزنادقة من بيئتهم ومن (أصحابهم) وصاروا يتفاخرون أن في أصحابهم وزملائهم ملحدين ولادينيين، بل صاروا يتفقون معهم على النيل من المؤسسات الشرعية والتهكم بالتيارات الدينية – كما يسمونها – ويتحدون في المطالبة بالحرية المطلقة عن قيد الشريعة، وأنها يجب أن تكون مقيدة فقط بالقانون الذي يكتب بعد تصويت الناس، كما يقول لادينيوا الغرب تماماً .

وأما بعد وقوع العدوان الآثم بسب سيد الخلق وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين صلوات ربي وسلامه عليه، فقد كانت الغيرة التنويرية مجرد حلقة في سلسلة الغطاء الناعم لزندقات المجدفين، فذهبوا أول ما ذهبوا إلى أن ما وقع ليس سباً وإنما هو عدم إيمان، فانتقاص الرسول صلى الله عليه وسلم وإهانة جنابه المعظم الشريف عندهم لا يدخل في مضمون السب، وبالتأكيد فإن الغاية من وراء هذه المناورة الساذجة هو تصنيف الواقع في حيز (الحريات المكفولة) والشأن الخاص الذي لا يعاقب عليه .

ولكنهم أدركوا حمق المجازفة بالوقوف في وجه جموع المسلمين الهادرة غيرة لنبيها وقدوتها صلوات الله عليه وسلامه، فانتقلوا إلى نقطة أخرى يعزفون على وتر الشكوك والحيرة التي تعصف بالشباب، ولو كانت هذه الشكوك والحيرة من الشأن الخاص الذي اطلعوا عليه في المجالس مع أصدقائهم لكان لهم عذر، لكن المغالطة والتزييف تكمن في تصنيف الاعتداء الصارخ الذي ما تم إلا عن غطاء من التكبر والاحتقار للإسلام وأهله وكأنه حيرة وقلق، في حين ليس إلا عدوانا وجريمة.

وليس موقفهم ذلك المستثير للعواطف لصالح المعتدي إلا كموقف أحمق يتلمس العذر للقاتل في موجة الغضب الذي انتابته، وهي اعتذارات لا محل لها في قاموس المسؤولية البشرية، ولا تنهض إلا بانتهاك الضرورات البشرية لصالح العواطف المتهالكة.

ثم لما أشيع عن المعتدي توبة، تعلقوا بها، فهل كان تعلقهم صادقاً؟ الواقع أن من يتعلق بالتوبة مع أنه كان ينازع في تجريم العدوان واستحقاقه العقوبة، وينظر – قبل العدوان – لحرية الرأي المطلقة مالم تخالف قانوناً مكتوباً، ويصرح أن مخالفة الشريعة حق مكفول وحرية محترمة، والعقاب عليها في الآخرة .. أن مثل هذا مشكوك في صدق موقفه، وكل ما مضى قرائن تفيد أنه يستغل التوبة فقط، ومع ذلك لن نكتفي بالقرائن السابقة، بل سنتأمل بعض ما كتبوه في ذات الوقت الذي كانوا فيه يتعلقون بالتوبة، يقول أحدهم :

(لا يعرف حراس المعبد مظهراً إسلامياً أهم من قمع حرية التعبير وفرض آرائهم )

هذا النص السخيف الذي يشبه الغيورين للنبي صلى الله عليه وسلم بحراس المعابد – وهو تشبيه فيه مافيه من نظرة لادينية تصهر الإسلام في بوتقة الوثنيات – والذي يستغل الغيرة ضد العدوان على قدوة الخلق ليربط بينها وبين قمع حرية التعبير : نشر في مقال وجدته في صفحة التنويري (الإسلامي!!) عبدالله المالكي .

وهذا التنويري أعاد نشر المقال سابق الذكر في صفحته بعد أن جادل ونافح طويلاً بأن الرجل تاب وتراجع .

وأترك التفسير للقارئ الكريم .

وفي مظهر آخر في سلسلة الغطاء الناعم الآثم للزندقات : ذهبوا يتحدثون عن تيارات وأهداف سياسية للغيرة للرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا الحديث كانوا يتحدثون به عن كل حركة احتسابية كبيرة كانت أم صغيرة، ودافعه والله أعلم أنهم قوم خلو من إيمان واحتساب لحق الله وتعظمت في قلوبهم الماديات، فصاروا لا يقرأون في تصرفات الناس إلا الدوافع التيارية والسياسية ولا تفسير ديني احتسابي يمكن أن يلجئوا إليه، وكل يرى الناس بعين طبعه.

ولا أشد بجاحة واستغفالاً لعقول الناس ممن ذهب بعد ذلك – من جماعة التنوير – يتحدث عن كونه هو من سيحمي الشباب من هذه الزندقات، وهو الذي سيواجه الانحراف الفكري، نعم أيها القارئ الكريم لست أمام طرفة سخيفة، بل أمام عقول جادة تشتغل طول الوقت مع أصدقائها الملحدين بتقرير حرية الرأي المطلقة وحرية المنافقين والزندقات من جهة ، ومن جهة أخرى تشتغل بنقد التيارات الدينية والتربص بالمحتسبين وأهل العلم والدعوة، ومن جهة ثالثة تتلمس الاعتذارات الباهتة للعدوان على دين الله ، وتعوق الاحتسابات عليها بأنها دوافع تيارية وسياسية .. ثم بعد كل ذلك تتحدث بكل صفاقة عن أنها ستحمي الشباب من الانحرافات والزندقات !

كنت أقرأ لأحدهم يقول: إنه كان ينوي الإنكار على حمزة لكنه لم يمهله إذ تراجع، فلم أتمالك إلا أن أضحك على هذا الاستغفال الذي يمارسه تلميذ عزمي بشارة وصديق حمزة الذي كان ينوي الإنكار على صديقه وظل صامتاً لم يتحدث عنه يوماً وهو يزندق ويجدف، حتى ثارت الغيرة فقال: كنت أنوي الاحتساب على صديقي !

لعله كان صادقاً، وكان ينوي الاحتساب ليقول له: ما هذا الغباء يا حمزة ، الأمور تؤخذ بالتدرج وليس بهذه المصادمات الخاسرة لمشاعر الناس.

هذا الذي كان ينوي مناصحة حمزة سيجد وقتاً لإنكار العنصرية التي تلفع بها واحد أو اثنين في سواد الغيورين لجناب الرسول، وسيجد مساحة في ضميره تتيح له نسبة هذه العنصرية البغيضة للشرعيين ولعموم المنكرين، لكنك أيها القارئ لن تجده يوماً في سواد المحتسبين والغيورين ضد أخطاء المجدفين التي هي أعظم خطأ من عنصرية جاهل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s