مهم جداً: حرب الأفكار

بقلم / الدكتور محمد يحيى

أطلق وزير الدفاع الأمريكي في أواسط أكتوبر 2003 مصطلح “حرب الأفكار” لكسب القلوب والعقول في العالم الإسلامي لصالح الحملة الغربية علي الإرهاب كما قرن إطلاق هذا المفهوم بهجوم علي المدارس الدينية الإسلامية باعتبارها مخرج أجيالا من المتطرفين . والمفهوم الذي أعلم عنه رامسفيلد ليس جديدا وإن كانت التسمية تتسم بالوضوح الصارم والمجاهرة الكاشفة. فحرب الأفكار مثلا موجودة منذ بدايات الحرب الباردة بين الغرب والكتلة الاشتراكية وحتى نهايتها بسقوط المعسكر الشيوعي ومعه أفكاره . وهي كانت موجودة في خضم الحرب العالمية الثانية ضد النازية والفاشية واستمرت في ألمانيا وأوروبا بعد سقوط هتلر ونظامه. بل ويمكن إرجاع حرب الأفكار في أشكال متعددة ومتباينة في درجات التطور إلي عمليات التبشير المسيحي المواكبة لحركة الاستعمار الغربي وإلي إشارة القوميات ( بما فيها العربية) ضد الدولة العثمانية وإلي ما كان يعرف في القرن التاسع عشر أي نشر الأفكار الغربية بشكل موجه لهدم المفاهيم والعقائد الإسلامية .ويمكن تتبع نفس الظاهرة في تشجيع قيام وانتشار حركات في إيران والهند لضرب وحدة المسلمين وزعزعة الكيان الفكري والعقائدي المسلم . كما نلاحظ نفس الحركة في الترويج العمدي وبشكل منظم لمجموعة من الأفكار علي مر القرن والنصف في العالم الإسلامي بهدف هدم العقيدة الإسلامية مثل الدراونية والإلحاد والشيوعية حيث كانت تنشر نسخ تصديرية لهذه الأفكار خصيصا في العالم الإسلامي تختلف عن تنوع وتعقد المذهب الأصلي في بلدة الأم ويكون هدفها ليس تحفيز الفكر وطرح قضايا للمناقشة الجادة وفتح آفاق التأمل العقلي بل مجرد إلقاء بعض شعارات وتعبيرات لكي تكون محلا للاعتقاد القلبي طاردة الإسلام وعقيدته أو باعثة للشكوك فيها دون أن تكون تلك الشعارات أو الأفكار الفجة نفسها موضع مناقشة.

وليس ببعيد في الزمن قيام الأجهزة الأمريكية الاستخباراتية والأكاديمية والإعلامية بتجنيد أعداد من الكتاب علي امتداد الساحة الأوروبية والعربية (وبالطبع الأمريكية) لتنفيذ مهام حرب الأفكار ضد الشيوعية من خلال منابر محدودة مثل الصحف والمجلات وروابط وإتحادات الأدباء والمثقفين . وإذا كانت هذه التجربة حدثت ف الستينات والسبعينات فإن الحرب الفكرية الجديدة التي أعلنها وزير الدفاع الأمريكي تواصل المهمة ذاتها وربما بنفس الأساليب ولكن ضد عدو مختلف هذه المرة الإسلام وليس الماركسية . وأسهل طريق لفهم أبعاد ومعني مفهوم”حرب الأفكار” يبدأ من ملاحظة المصدر الذي انطلق من هذا المفهوم وهو وزير الحرب والمؤسسة العسكرية . ذلك لأن السمة المميزة والجوهرية لحرب الأفكار هي تحويل الفكر والأفكار من ميدان الحرية والحركة العقلية والحوار والجدل والحجاج والتبلور عبر الصراع والعلاقة مع الواقع والمجتمع والتاريخ والتراث الثقافي والفكري والأدبي إلي مجرد أدوات صماء جامدة مسطحه محددة وموجهه الاستخدام في إطار عملية حربية سياسية . إن الأفكار تصبح هنا مجرد أدوات أشبه بطلقات الرصاص ورانات المدافع والصواريخ والقنابل ,والمفكرون أو المثقفون المتزعمون والكتب والصحف والمنابر الإعلامية تصبح مجرد ألآت لتوصيل تلك الطلقات الفكرية إلي أهدافها وتفجيرها فيها مثل المدافع والطائرات والبنادق والدبابات . وفي إطار حرب الأفكار لا تصبح المسألة قضية صحة أو خطأ الأفكار أو نضجها من عدم أو تناسقها في منظومة فلسفية أو تنافرها وتبعثرها بل تحدد المسألة في شجاعة تلك الأفكار في إصابة الأهداف المنشودة ودقة الوصول إليها وكفاءة تفجيرها وإصابتها ونسفها للأفكار .

إن تكتيك حرب الأفكار يقوم علي القضاء علي الأفكار ذاتها من حيث أنه لا يعود يتعامل مع الفكر كإنتاج لعمليات عقلية وتاريخية متفاعلة ومركبة ومتطورة وثرية ومتعددة الأبعاد والآثار بل كمجرد وسيلة نفعية موجهة صوب هدف حربي . إن حرب الأفكار تبتر كما اشرنا كل المعايير وسمات الفكر من الصحة والتناسق والثراء وإثارة النقاش … إلخ . لكي تحل محلها تجنيد القشور أو ظاهرة فكرية تتحول إلى محض شعار أجوف لكنه يطلق من خلال أدوات الدعاية الإعلامية وبإلحاح وكثافة نيرانه ليصيب الأهداف المقصودة ، ولا عجب أن يخرج هذا المفهوم من رحم الفلسفة أو بالأصح الأيدلوجية الأمريكية النفعية لأنه يمثل ذروة تطورها في هدمها لكل المعايير (أولها معيار الصحة والخطأ ) في سبيل المبدأ الأعلى وهو الفائدة وتحقيق الغرض بأي وسيلة ، ويعبر وزير الدفاع الأمريكي عن هذا الهدف بقوله أنه ” كسب القلوب والعقول ” في عملية دعائية بحتة تحكمها اعتبارات الخداع والالتفاف والتمويه والتخفي وكلها عمليات عسكرية ) للوصول إلى هذه القلوب والعقول .

والواقع أن الحديث الصريح والمكشوف عن الحرب الأفكار يفسر الكثير مما يحدث في الوقت الراهن على الساحة العربية حيث تصدر فجأة صحف ومجلات من العدم وتنشأ محطات إذاعية وتليفزيونية فضائية وتفتح فجأة أحزاب وتظهر شخصيات تدعى الفكر والثقافة بل وتطرح من فراغ مذاهب فكرية معلبة وجاهزة للاستهلاك مثل الواجبات الأمريكية المعروفة .
ولعل أخرها كلن الطرح المفاجئ لما يسمى بالليبرالية والتي تتسم نشئ من واحد فقط وهو أنها غير ليبرالية أي أنها تتسع فعلاً لأي فصيل أخر في المنطقة لا سيما القوي الأصلية والكبرى .
إن كل هذه المظاهر التي أخذت تنتشر في الفترة الأخيرة ليست سوى نتاج حرب الأفكار وهي القوات المتحركة التي تطلق قنابل الأفكار بالمعنى الأمريكي الموجه ضد الإسلام .
والدليل الأكبر على هذا أنها تتسم في تحركاتها بالأساليب الحربية والتكتيكات العسكرية المعروفة في المفاجأة والخداع والتمويه وتركيز النيران الكثيفة على هدف معين ثم الانتقال إلى غيره بعد بعد ” تدميره ” . يحدث كل هذا تحت مسمى الأفكار لكن الهدف والسياق يظل في النهاية هو التكامل مع العمليات الحربية والسياسية والاقتصادية والمتعددة التي تقودها أمريكيا في المنطقة .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s