العلاقات المصرية الأمريكية على صفيح ساخن

بعد فضيحة التمويل الأمريكي المشبوه لمؤسسات المجتمع المدني- العلاقات المصرية الأمريكية على صفيح ساخن

بعد فضيحة التمويل الأمريكي المشبوه لمؤسسات المجتمع المدني- العلاقات المصرية الأمريكية على صفيح ساخن

 

جاء في الموسوعة العربية العالمية أن الخيانة العظمى تعني في الأصل عدم الولاء، والعمل ضد مصالح الدولة التي ينتمي إليها الفرد، وتوجه هذه التهمة إلى من يتصل بدولة خارجية بهدف تقويض الأمن والاستقرار في بلاده، وتكون العقوبة العادية على هذه الخيانة هي الإعدام أو السجن المؤبد، ويُسمَّى الشخصُ المتهمُ بالخيانة العظمى في العادة خائنًا، ورغم أنَّ الخيانة في المفهوم اللغوي تعني الغدر وعدم الإخلاص وجحود الولاء، إلا أن مفهومها – كمصطلح – قد شابه الغموض، تبعًا لتطور مفهوم الدولة، وتطور النظم السياسية بها، فهي تعني أحيانًا عدم الولاء للدولة، وأحيانًا أخرى العمل ضد مصالح الدولة، وقد توجه للمعارضين للحاكم أو لأعماله، وتقوم أركانها وتكتمل عند الاتصال بدولة أجنبية بهدف المساس بالاستقرار في البلاد. وهي جريمة يحاكم عليها، وتكون عقوبتها شديدة قد تصل إلى الإعدام.

       ولا شك أننا حينما نطبق هذه القاعدة على ما يجري الآن في مصر من إحالة 40 مصريًا وأجنبيًا لمحكمة جنايات القاهرة في قضية التمويل الأجنبي للجمعيات الأهلية، فإن أركان هذه الجريمة تكون مكتملة تمامًا، وأن وصف الخيانة العظمى هي أقل ما يمكن أن يوصف به هؤلاء العملاء.

تاريخ مشبوه

       ضخ موقع (ويكيلكس) المشهور عددًا كبيرًا من الوثائق المسربة في أنحاء العالم، وكان للسفارة الأمريكية نصيب كبير منها، وكان من ضمن هذه الوثائق أن مبنى السفارة الأمريكية في كل دولة يمثل مركز (سي آي أيهCIA) ) مصغر متصل بالمركز الرئيس (Headquarter) في أمريكا.

       وبينت الوثائق المسربة  الدور الاستخباراتي الذي تؤديه السفارات الأمريكية في معظم الدول، وتم الكشف عن ذلك من خلال برقيات أرسلتها وزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، مصنفة (سري) موجهة إلى السفارات تطلب فيها واشنطن مهمات عادة ما توكل إلى جهاز السي آي أيه كالتنصت والتجسس على الجهات المعنية فيها.

       وتبين من هذه الوثائق أن هنالك فرقا ما بين الوجه الدبلوماسي للسفارة،  ودورها الخفي السري الاستخباري التجسسي, الذي يتطلب وجود طاقم مدرّب استخباريًا واجتماعيًا وعسكريًا ونفسيًا حتى يستطيع القيام بجميع المهمات الموكلة إليه, ولديه الجاهزية التامة لتنفيذ أي مطلب استخباري  وقد يتطور ليصبح تدخلاً مباشرًا في سياسة البلد  المضيف, وقد يصل نفوذ  سفراء بعض الدول إلى أن يقوموا بمقام الحاكم الفعلي لهذا البلد أو ذاك, ومستشاره الخاص الذي لا يرفض له طلب, فيعزلون وزيرا ويضعون بدلا عنه ويطبقون قانونا ويغيرون آخر, أو حتى القيام بانقلابات تقوم بتغيير الأنظمة, مثلا (انقلاب مصدق في إيران ضد الشاه، وانقلاب حسني الزعيم في سوريا).

أبعاد الأزمة

       هذه مقدمة أردت من خلالها إعطاء تصور لأبعاد تلك الأزمة، وأنها امتداد لمخطط بعيد المدى، مترامي الأطراف تشترك فيه جهات عدة على رأسها الولايات المتحدة والكيان اليهودي الصهيوني لإضعاف مصر إقليميًا، بل العمل على إسقاطها وتفكيك مؤسساتها، وهذا ما عبر عنه الكاتب أسامة غيث حيث قال: إن المخطط الصهيوني الأمريكي الغربي يعمل على إخراج مصر, بتاريخها وحضارتها وثقلها ووزنها، من المعادلات الإقليمية للشرق الأوسط بمفهومه الواسع، وبمفهومه الضيق للتمكين للكيان الصهيوني المغتصب من قيادة الشرق الأوسط بالاشتراك مع الدولة الصفوية؛ لأن سقوط مصر القوة الإقليمية العظمي، لا يقل أهمية بالنسبة للمخطط عن سقوط الاتحاد السوفيتي باعتباره القوة العالمية العظمي، خاصة أن مخطط قصقصة ريش كل القوى العربية القادرة والمؤثرة استكملت حلقاته منذ احتلال العراق، القلعة الشرقية الحصينة للعالم العربي، وتفكيكه واقعيًا على النطاق الجغرافي، والنطاق الديني، والتفعيل المؤثر للدور الإيراني على مقدراته وسياسات وتوجهاته، فضلاً عما ما يتم على امتداد الخليج العربي من تغييرات ديموجرافية عرقيًا وعقائديًا.

تفاصيل القضية

       وعودة إلى الموضوع الرئيس فقد أمرت هيئة التحقيق في قضية التمويل الأجنبي غير المشروع لبعض منظمات المجتمع المدني في مصر الأحد 5 فبراير الحالي، بإحالة 40 متهمًا من جنسيات مصرية وأجنبية إلى محكمة جنايات القاهرة، حسبما ذكرت وكالة أنباء (الشرق الأوسط) المصرية.

       كما أمرت هيئة التحقيق باستمرار وضع المتهمين المحالين للمحاكمة في قضية التمويل الأجنبي غير المشروع لبعض منظمات المجتمع المدني على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول.

       ووجهت للمتهمين تهمًا بتلقي تمويل أجنبي من دول عدة على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية بالمخالفة للقانون وبدون الحصول على تراخيص لمزاولة أنشطتها داخل مصر واستخدام تلك المبالغ المالية في أنشطة محظورة، والإخلال بسياسة الدولة، ومن بين المتهمين 16 أمريكيًا وخمسة صربيين، ألمانيان اثنان، وثلاثة عرب و 14 مصريًا.

تورط السفارة الأمريكية

       تورط السفارة الأمريكية في هذه القضية حقيقة لا جدال فيها، وهذا ما عبر عنه الدكتور محمود غزلان بقوله: إن التهديدات الأمريكية بقطع المعونة عن مصر إذا أصرت على السير في إجراءات محاكمة الأمريكيين في قضية منظمات المجتمع المدني والتمويل غير القانوني تلقي ظلالا ًكثيفة من الشك حول براءة أولئك المتهمين، ولو كانت واثقة من براءتهم لانتظرت للقضاء أن يحكم لهم بالبراءة.

مخطط أمريكي لتقسيم مصر

       وفي مفاجأة من العيار الثقيل أحدثت صدمة واسعة في الشارع المصري تم الكشف عن مخطط أمريكي لتقسيم مصر، كما تم الكشف عن وجود أكثر من 150 من عناصر CIA يعملون بالسفارة الأمريكية لجمع المعلومات.

       وكشفت التحقيقات عن وجود خرائط ورسوم تقسم مصر إلى دويلات صغيرة، فضلاً عن ماكيتات وخرائط لنقاط ارتكاز القوات المسلحة، في الوقت الذي حذر فيه خبراء أمنيون من خطورة الهيمنة الأمريكية ومحاولات زعزعة الاستقرار، على ضوء ما كشفته التحقيقات حول المنظمات التي حصلت على تمويل أجنبي بالمخالفة للقانون.

       من جهته، يرى الخبير الإستراتيجي اللواء عبد المنعم كاطو، أن الخرائط التي وجدت بحوزة تلك المنظمات، تكشفت عن مخطط فعلي لتقسيم مصر إلى أربع جهات، لتصبح سيناء في جهة، والنوبة في جهة أخرى، بينما تتفكك بقية المساحة لتشكل دولتين مستقلتين إحداهما إسلامية والأخرى مسيحية.

       وقال: إن أخطر ما في الأمر رصد تلك الخرائط لمناطق ارتكاز القوات المسلحة ووجودها، وهو أمر جد خطير، يهدد الأمن القومي للبلاد، وطالب بمحاسبة كل من ضبطت بحوزته تلك الخرائط، ومن قام برسمها، ولاسيما بعدما ثبت من أن انتشار تلك المنظمات على الأراضي المصرية لم يكن بهدف العمل الأهلي أو مرتبطا بمجال حقوق الإنسان، وإنما كان لتنفيذ أهداف لنشاطات أخرى سياسية بعيدة كل البعد عن نشاطها الحقيقي الذي مارسته بالخفاء، غير عابئة بسيادة وقوانين البلد الذي تعمل على أرضه، رافضًا كل المحاولات الإعلامية لالتماس الأعذار لهذه المنظمات.

البرادعي جزء من الـمــؤامرة

       أكد اللواء حسن اللبيدي الخبير العسكري أن واشنطن عندما دفعت بالبرادعي على الساحة السياسية بمصر كان أول ما تناوله هو قضية النوبة، ودفع أهالي النوبة لتدويل قضيتهم، متسائلاً: كيف يعقل أن يدعم مرشح للرئاسة فكرة تقسيم مصر وفصل جزء من الأراضي المصرية عنها ضاربًا بمفهوم الوحدة عرض الحائط؟! على حد قوله.

       وأضاف: «هذه المنظمات هي جزء من هيمنة النظام الأمريكي على الأراضي المصرية، وهي التي تحرك الأيادي الخفية، وبالتالي فنحن نواجه الآن احتلالا أمريكيًا إسرائيليًا لمصر، ليس احتلالا بالقوة العسكرية، وإنما احتلال للعقول والسيطرة على أفكار ومعتقدات الشباب المصري».

واشنطن تهدد بقطع المعونة عن مصر

       انتقدت واشنطن الإجراء الذي قامت به السلطات المصرية، مطالبة مصر بوقف ما سمته إرهاب المجتمع المدني وسط تلميحات بوقف مساعداتها للقاهرة فيما استدعت الخارجية الألمانية السفير المصري في برلين ولاسيما أن منظمة ألمانية كانت من بين المنظمات التي تم تفتيشها.

موقف الحكومة المصرية

       أكدت الحكومة المصرية أخيرًا رفضها «التمويل السياسي» لمنظمات المجتمع المدني، مؤكدة أن التحقيق في مخالفات هذه المنظمات سيستمر رغم ردود الأفعال الغربية والأمريكية الغاضبة.

       وقال كمال الجنزوري رئيس الحكومة المؤقتة في أعقاب اجتماع لمجلس الوزراء: إن مصر ستبقى، ولن تركع لأحد، وستعبر الأزمة التي تمر بها، مشدداً على أن مصر هي العمود الفقري للمنطقة، وعلى الجميع أن يعي أن وقوع مصر، يعني وقوع المنطقة بأسرها، إلا أنه استطرد قائلاً: إن الشعب المصري العظيم، قادر على أن يتخطى المحن.

مبادرة الشيخ محمد حسان والـمعونة الـمصرية

       أطلق فضيلة الشيخ محمد حسان، مبادرة حملت اسم «المعونة المصرية» للاستغناء تمامًا عن المعونة الأمريكية، عسكريا واقتصاديا، تمهيدًا لإبلاغ الجهات المسؤولة في مصر، وهي (المجلس العسكري ومجلس الوزراء ومجلس الشعب) بإلغاء المعونة الأمريكية نهائيًا، وتعهد «الشيخ حسان» بجمع مبلغ المعونة في ليلة واحدة، قائلا: «أقسم بالله وعلى مسؤوليتي أمام الله إن الشعب المصري سيجمع مئات الأضعاف مما كانت تقدمه لنا أمريكا من معونات تافهة».

       جاء ذلك، على شاشة التليفاز المصري، من خلال برنامج (ستوديو 27)؛ حيث كان الشيخ ضيف البرنامج الذي استمر حتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، وأضاف: أقول لأمريكا: مصر قامة كبرى.. وستبقى قيمة إلى أبد الدهر.. ولن نركع أمام معونتكم التافهة.. ولن نُذل أمام بضعة ملاليم.. وأقسم بالله إن الشعب المصري سيجمع من خلال شبابه وعلمائه ورجال أعماله.. حتى السيدات اللاتي يبعن «الجرجير والطماطم في الشارع».. عشرات المليارات من الجنيهات لهذه المبادرة، حتى لا ينكسر المصريون أمام دولة عدوة مثل أمريكا.

غطرسة غير مقبولة

       وفي تصريح له وصف نادر بكار المتحدث الرسمي باسم حزب النور، تلويح واشنطن بمنع المعونة بأنه نوع من الغطرسة غير المقبولة، مشيراً إلى أن المعونة الأمريكية كانت تذهب إلى ما أسماه بـ«جيوب المنتفعين» دون أن ينتفع منها الشعب المصري، مشيراً في الوقت ذاته إلى أنه كان يتم وضع شروط قاسية للانتفاع منها، وأنه في الغالب ينتفع منها الشركات الأمريكية في نهاية الأمر.

       وأكد بكار سعي حزب النور مع المصريين الشرفاء، إلى مواصلة العمل وبذل مزيد من الجهد لاستكمال مطالب الثورة، وتحرير إرادة مصر السياسية، لإنهاء حالة التبعية التي عاناها المصريون قبل اندلاعها.

 الموقف الشعبي

       وفي رد فعل الشارع المصري بدأت حركة (مواطنون ضد الغلاء) حملة شعبية لمقاطعة البضائع والمنتجات الأمريكية على خلفية الموقف الأمريكي المعادي للثورة المصرية، وقال محمود العسقلاني منسق حركة «مواطنون ضد الغلاء»: إن الحركة سوف تبدأ من خلال أعضائها بمختلف محافظات مصر في نشر الدعوة للمقاطعة من خلال جميع الوسائل المتاحة، وفي مقدمتها الملصقات والإعلانات الورقية التي يمكن توزيعها في وسائل المواصلات وفي المساجد والكنائس والجامعات وفي أماكن التجمعات العمالية، وأضاف أن الحملة سوف تتوجه إلى جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة بهدف تفعيل سلاح المقاطعة وبخاصة مقاطعة المياه الغازية (بيبسي – كوكاكولا – ماكدونلذ – وكنتاكي، وجميع المنتجات الأمريكية)، وقال العسقلاني: إنه آن الأوان لإلغاء اتفاقية (الكويز) وغيرها من الاتفاقيات الاقتصادية مع أمريكا وإسرائيل، وشدد العسقلاني على ضرورة الاعتماد على الذات وإلغاء المعونة الأمريكية وتطوير طاقة الاحتجاج إلى طاقة إنتاج والانتقال السريع من التحرير إلى التعمير.

رئيس هيئة الأركان الأمريكي في القاهرة

       فيما تتوالى ردود الأفعال في الداخل والخارج حول هذه القضية، وصل إلى القاهرة رئيس هيئة الأركان الأمريكي (مارتن ديمبسي) مساء الجمعة 10 فبراير على متن طائرة خاصة إلى مطار شرق القاهرة العسكري في زيارة لمصر تستغرق يومين.

       وقالت المصادر: إن (ديمبسي) اصطحب وفدًا ضم 19 فردًا؛ وتوجه من المطار العسكري إلى أحد فنادق مصر الجديدة خلال زيارته لمصر، من المقرر أن يجري مباحثات مع قيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة تتناول تطورات الوضع في مصر، وبحث العلاقات المصرية الأمريكية على ضوء محاكمة النشطاء الأمريكيين الذين تم منعهم من مغادرة مصر مؤخرًا.

       وكان بعض الخبراء قد أكدوا أن زيارة (ديمبسي) تعد بمثابة المحاولة الأخيرة التي يقوم بها المسؤولون الأمريكيون لإقناع السلطات المصرية بالتوقف عن مداهمة المنظمات الداعمة للديمقراطية العاملة بمصر وتوصيل رسالة للمسؤولين المصريين، مفادها أنه في حالة عدم التنازل عن محاكمة النشطاء الأمريكيين بتهمة الحصول على تمويلات أجنبية بشكل غير شرعي، فإن المساعدات الأمريكية السنوية إلى مصر قد تكون مهددة خلال المرحلة المقبلة، فإلى أي اتجاه ستسير العلاقات بين مصر وواشنطن، هل ستستعيد عافيتها أم تدخل إلى نفق مظلم؟! هذا ما ستكشف عنه مجريات الأحداث في الفترة المقبلة إن شاء الله.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s