يوسف غير العزيز !!

المصدر: قلم رصاص

بقلم: حمد المزروعي – كاتب من الإمارات

على قَدْرِ عِلم الدكتور يوسف خليفة اليوسف وثقافته كانت صدمتنا فيه وفي طرحه النشاز. يذكرنا موقفه من بلده الإمارات بما أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن علامات المنافق الثلاث أنّ منها ‘وإذا خاصمَ فَجَر’.

من أوائل ما حفظنا في مرحلة الصغر أبياتٌ جميلة لأحمد شوقي تبدأ ببيتٍ يقول: “برزَ الثعلبُ يوماً.. في ثيابِ الواعظينا”، وكأن من وضع تلك المناهج يتنبأ بحاجتنا إلى فهم بعض الـمُسلّمات البسيطة حتى لا نضيع في دروب الحياة خلف كل صوتٍ يدّعي الصلاح، أو تخلب أبصارنا كل لمعةٍ معدن حتى لنظنّه عسجداً أو تِبراً خالصاً ثم لا يلبث أن ينكشف البهرج ويستبين الزيف ويسقط القناع عن وجهٍ كالحٍ وقلبٍ مربّادٍ لا يكاد يعرف معروفاً سوى مصلحته الضيقة ولا يُنكرُ منكراً سوى ما يمنعه من الوصول لمراده الشخصي!يمرّ ببالي هذا البيت كلما قرأتُ مقالةً للدكتور يوسف خليفة اليوسف، وهي مقالاتٌ مطوّلة تدّعي سِعة الباع في العلوم – ولن نبخسه حقّه في هذا فهو ذو ثقافة عالية- لكن يكثر بها السُمّ المدسوس بين ثنايا سطورها وتزداد جُرعة جرّ القارئ إلى نتيجة محدّدة من خلال تقديم حقائق مجتزأة من سياقها ووضع عدسةٍ مكبّرة لأمورٍ لا يخلو منها مجتمع ثم حقنها بجُمَلٍ رنّانةٍ ومصطلحات كبيرة تجعل من يقرأها يظن أنّها حقٌ صُراح وقرآنٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فينساق القارئ البسيط مع خيوط أحابيلها شيئاً فشيئاً، تخدعه اللغة الجميلةُ تارة وتصرفه عن الفهم الصحيح ما يمتلئ به المقال من اصطلاحات معقدة ونقولاتٍ عن آخرين حتى ليظنّ أنّه بنُكرانها أو مخالفتها فربّما خرج من ملّة الإسلام فضلاً عن أن يكون من “النُخبة” التي تفهم ما لا يفهمه البقيّة، فهو يضرب على وتر سطحية شريحة كبيرة من القرّاء تارة وعلى وتر حبّ التعالم وادّعاء الفهم لدى بعضهم تارةً أخرى!ولئن كانت كتاباته تحاول جاهدةً البقاء في الإطار المنهجي البعيد عن “شخصنة” القضايا المطروحة للبحث والنقاش، إلا أنّ النيّة الـمُبيّتة للاصطياد في المياه العكرة لا تجعله يبقى على ذلك الخط العقلاني المتزن، إذا تتفاجأ بنوبات غضبٍ غير مبرر تخرج في استباقٍ رخيص للنتائج التي يريد الوصول إليها، وتشنّج يخرج على استحياء مع محاولاته لزج بعض شوارد الوقائع وشواذ الحالات ليقيس عليها وكأنّها القاعدة العامة، رغمّ أنه قد أجمع علماء الأمّة على عدم جزمية الأحكام التي أتت بما يُعرَفُ بأحاديث الآحاد حتى ولو صحّ اسنادها وانتفت عنّها العِلّة، فما باله وهو الذي تنضح مقالاته بالآيات الكريمة والأحاديث الشريفة يتغافل عن تلك الحقيقة ويعمد على اقتناص الحالات غير المعهودة وقليلة الحدوث ليجعلها وكأنّها الواقع الوحيد والعموم الذي لا يُكابر عليه أحد، فماذا يتبقى لدى الكاتب إن راوغ في بناء طرحه وجمع شيئاً من الذهب وكثيراً من الزيف والبهرج واتضح تدليسه على القارئ وتعمّده لاختلاق صورةٍ عامة غير حقيقية!إنّ مما أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن علامات المنافق الثلاث أنّ منها “وإذا خاصمَ فَجَر”، فخصومة ذي المروءة لا يُخشى عاقبتها لأنه لا يعدو أن يكون قد خاصم على سببٍ وجيه، ويستحيل عليه أن يقوم بالتجنّي والتقوّل الكاذب على خصمه من أجل رفعِ شأنِ قضيته هو. أمّا المنافق فهو يفجر في مخاصمته فجوراً ويذهب في طريق الحطّ من خصومه حدّاً تأباه النفوس العفيفة وتتسامى عنه القلوب الكريمة. لذا ليس بغريب أن يقلّ المنافح عن الدكتور يوسف، فسوداوية روح الطرح وترك كل نواحي الحياة والتركيز على شخصٍ بعينه بالذم تلميحاً مرة وتصريحاً مرّات والمبالغة الفجّة في الانتقاد لم تؤدِ إلا لنفور النفوس الكبيرة عنه، فنحنُ نريد صالح الوطن ويهمنا اصلاح أي خللٍ في مؤسساته مثلنا مثل أي مجتمع ينشد الأفضل، ولكن الفارق بيننا وبينه أننا نضع ثقتنا بقيادتنا ونثق بحرصهم وتقبلهم الدائم لما هو في صالح الوطن ومؤسساته والشعب ومقدّراته، وبأنّهم لم يُصادروا رأياً أميناً ولم يُضيّقوا على أي مُخلص لوطنه عكس ما ينثره الدكتور في مقالاته شرقاً وغرباً!إنّ الدندنة بمصطلح “الإصلاح” قد فقد بهرجته بعد أن اتضح للنخبة المثقفة تحديداً أنّ الدكتور يوسف ومن يسير في رَكْبهِ قد حادوا عمّا نادوا به، فصالح الوطن عندهم ليس بمُراد وحُريّة الشعب كما يدّعون ليست لهم بمطلب، وإنما هو منطق نظرية أحجار الدومينو والاقتباس الأعمى لما تعارف على تسميته بالفوضى الخلّاقة والتي كانت فوضى فعلاً في بلاد العرب، لكنها لم تكن خلّاقة ولن تكون. فأحجار الدومينو لديهم تبدأ ببث روح الشقاق بين الشعب وحكومته والعمل بشكلٍ منتظم على تأجيج نزاعات ولو كانت صغيرة هنا وهناك ولكنها مجتمعةً قادرة على إحداث شرخٍ في المجتمع يصعب ردمه مع الوقت خاصةً وهم يتبعون ذات المنهجية “التأجيجية” دون توقف، خلافاً لأبسط شيم الانسان الشريف ومروءته والتي تقضي بعد ايقاض الفتنة النائمة وسد ذرائعها!على قَدْرِ عِلم الدكتور يوسف وثقافته كانت صدمتنا فيه وفي طرحه النشاز، بل وكانت الصدمة أكبر إثر الأدلة الدامغة والـمُسجّلة له والتي أثبتت علاقته بالتنظيم السرّي الذي يستهدف زعزعة أمن الإمارات وقيامه بتجنيد العديد من الشباب الـمُغرّر بهم، والذين لا يبدو أنه يكترث كثيراً لهم طالما يتقلّب متنعماً في بيته الفاخر بكاليفورنيا متنعماً بثروته الهائلة التي كسبها من بلاده ثم ذهب هناك ليُسلّط عليها سهام تهجّمه وحِراب همزه ولمزه، وليُفني الساعات ليس في بناء المشاريع الخيرية في وطنه ولا للأخذ بيد أبنائه لرفع رايته وإنّما لبث مقالات التأجيج الـمُبطّن وحبك الأحابيل لاستدراج الشباب وبث الفرقة في جسد الوطن الواحد، الأمر الذي اختصرته آيةٌ كريمة أيّما اختصار في تصوير فداحة أثر العالِم الـمُغرِّر بالآخرين ومن لا يفي بأمانة العلم عندما قال سبحانه: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ*َلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
Advertisements

One thought on “يوسف غير العزيز !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s