مصر والإمارات على قلب واحد

المصدر | الكاتب: مهرة سعيد المهيري
المتتبع لثقافتنا العربية يتملكه الحزن قبل العجب، والقهر قبل الاستغراب، فهى للأسف فى مجملها ثقافة طردية إقصائية لأبعد حد.  فالآخر متّهم إلى أن يُثبت براءته والتى قد نُشكّك فى مصداقيتها حتى لو ساق عليها آلاف البراهين ودامغ الأدلة، ومخالفنا مخطئ من رأسه إلى أخمصِ قدميه، ولا يكفينا إقراره بالخطأ إن افترضنا أنّه أخطأ حتى يُلاكَ بسليط الألسنة ويُرمى بنبال الحبر ويُشهّر به فى الآفاق، وحيثما مررتَ بمنتدياتنا أو أطلّلتَ على صفحات الرأى فى أغلب صحفنا سترى من ذلك الجمّ الغفير إلا من رحم الله وقليلٌ ما هم!
نحنُ شعوبٌ حطّم فيها الاستعمار البائد الكثير من آليات تفكيرها السليمة، فما أن نرى أمراً لا يروق لنا أو يَغُمّ علينا سببه حتى نبادر لقذف التهم يُمنةً ويُسرة، فإلقاؤها أهون نفسياً لنا من الانتظار، وتقبّل أمرٍ لا نتحكم بأطرافه وملابساته، وادّعاء وجود مؤامرةٍ تستهدفنا، والظهور بمظهر الفارس النبيل المغدور يرضى غروراً دفيناً فى العقل الجمعى فى الشخصية العربية، والمسارعة بوضع الـمُخالِف فى إطار تقييمى جاهز وقالبٍ مُعدّ سلفاً هو من مُسلّمات ثقافتنا للأسف، وعندما تتعارض نظرتنا الضيّقة وأصول المنطق وأبجديات التفكير السليم فإن آراءنا ونظرتنا هى ما يفوز ليس بالنقاط ولكن بالضربة القاضية!
منذ سنةٍ تقريباً ودولة الإمارات تُفكّك خليةً تنظيمية مُعقّدة تبيّن للقضاء والمرجعية القانونية أنها تمس الأمن الداخلى للبلد وتعرّض سلامته وسلامة شعبه للخطر، ومازالت التحقيقات جارية لاستيفاء كل الأدلة ومعرفة مختلف الأطراف الضليعة بذلك الـمُخطّط الـمُستهجن، ولم تتوانَ السلطات القضائية من التحفّظ والحجز على ذمّة التحقيق لمجموعة من مواطنى الإمارات ممّن تأكد ارتباطهم الوثيق بذلك المخطّط والذين ينتمون لأكثر من تيّار وإنْ كان غالبهم من تياّر دينى بعينه!
بدأت بذكر تأكيد أنّ المجموعة الأولى والمساءلة بشكل رئيسى كانت من الإماراتيين أنفسهم حتى يكون الردّ شافياً وكافياً لأولئك المصطادين فى المياه العكرة، والذين يحاولون لغايةٍ فى نفس يعقوب ويعقوب منهم براء – أن يُصوّروا أنّ الإمارات تستهدف اخواننا المصريين إثر الاعلان عن ثبات تورّط بعضٍ منهم فى ذلك المخطّط المشار إليه، وأفاض البعض فى التعنيف والتحرّيف وفى التقوّل على الضمائر بما لا يقبله منطق ولا يُسوّغه عقل ولا يرضى به دين، وأطنبَ فى تهييج الآخرين وتصوير الإمارات وكأنها عدوٌ بربرى يريد الإساءة إلى مصر ولشعبها الكريم، متجاهلين عمداً – أنّ فى الإمارات مئات الآلاف من المصريين والذين نقاسمهم لقمة العيش ونمحضهم صادق المحبة ولا نُفرّق بينهم وبين أبنائنا وأخواننا، كرامتهم من كرامتنا وما يمسّهم يمسّنا قبلهم، أتونا مُكرّمين وسيبقون مُكرّمين، فالدارُ دارهم والقلوب البيضاء التى أحبّتهم ستبقى مُحبّة لهم، ولا يؤاخذ المحسن بالمسيء ولا تثريب على الصالح بما جنته يد المخطئ، فما نؤمن به هو قوله تعالى: “و لا تزر وازرةٌ وِزرَ أُخرى”.
لا أحدَ فوق القانون، مواطناً كان أم لا، ولا دولة ترضى أن تسمح لأحدٍ أن يعبث بأمنها وسلامة القاطنين بأراضيها، وهاهو سيدنا محمد “صلى الله عليه وسلم” عندما توسّط لديه البعض فى أمر المخزومية، غضبَ وقال كلمته الخالدة: “. وايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا”، فذلك هو المنهج الحق دون نظرٍ لتحريفات يُراد بها ليّ أعناق الحقائق، فأمن البلاد وسلامة العباد هى من الأمور التى لا تقبل المساومة عليها، ولا يمكن لعاقلٍ أن يرى أنها من هوامش الـمُهمّات، وإنّ الزجّ بأمورٍ أخرى للتعمية على القرّاء وتهييجهم بخيالاتٍ لم نرها إلا فى أفلام هيتشكوك لهى من الأمور التى يندى لها جبين الأحرار حياءً ويتعفّف عنها الكريم.
لقد كانت إشارة السيد الرئيس محمد مرسى فى محلّها وهو يُشدّد فى ذات الفترة التى تعالت فيها أصوات المرجفين بأنّ أمن الخليج أولوية لدى مصر الثورة وأنّها لا تقبل أبداً المساس بالشئون الداخلية لدول الخليج العربية، فمصر وتجربتها الحضارية الطويلة هى أبلغ مُنظّر لأهمية الاستقرار السياسى فى أى منتج حضارى كبير، وأنّ استتباب الأمن الداخلى هو أمرٌ لا يمكن التساوّم عليه أو التساهل بأمره، وأنّ ما لا ترضاه لنفسها لن ترضاه قطعاً لشقيقاتها، وأنّ أولئك الذين يحاولون استغفال الناس بتحوير الحقائق للوقيعة بين الإخوة لن ينجح مخطّطهم، فمصر والإمارات كانتا وستبقيان على قلبٍ واحد وهمٍ واحد وما يسيء لإحداهما يُسيء للأخرى قبلها، وأنّ المخطئ بحق ءحداهما لن يؤثر فى موقف الأخرى أن يكون محسوباً عليها.
Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s