إماراتنا محصنة ضد الأفكار الوافدة والأيديولوجيات المستوردة  (1-2)

بقلم: ضرار بالهول

أستطيع أن أؤكد مع كثير من الباحثين والمفكرين، أن دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة دولتنا الحبيبة الإمارات، محصنة ضد التوابع الارتدادية لزلزال ما يسمى بالربيع العربي، لأسباب عدة؛ منها أن مواطني دول المجلس لديهم القليل من الأسباب الاقتصادية التي قد تدفعهم إلى المطالبة بالتغيير، فغالبية الشعوب الخليجية تتمتع بمستويات اقتصادية جيدة، وتمتلك أسلوب حياة مرفهاً نوعاً ما، وهي ليست على استعداد لأن تخسر هذه النوعية من الحياة في فترة انتقالية قد تطول وقد تقصر، كما أن أغلب الثورات في العالم تقوم على حاجة البطن اليومية، وهذه مسألة مستبعدة تقريباً من القاموس الخليجي..

كما أن شعوب دول مجلس التعاون الخليجي مسالمة، وهي تشكل قبائل وعائلات متحالفة مع الحكم منذ بداية تأسيس الدولة الحديثة في المنطقة، وتحكمها عادات وتقاليد راسخة في إطاعة ولي الأمر والحفاظ على القوانين التي تنظم الحياة اليومية.. كما أن النظم الخليجية ـ على خلاف النظم العربية الأخرى ـ تولت الحكم منذ مئات السنين، تقترب في بعض الحالات من 300 سنة، ومن ثم فهذه الأنظمة لها شرعية وجود أعمق من شرعية النظم الجمهورية العربية..

ومن أسباب استثنائية دول المجلس من الحالة العربية الراهنة، انعدام الغبن العام أو الاضطهاد السلطوي المبرمج ضد الشعوب، سواء كان هذا الاضطهاد في حرياتهم أم دينهم، فكل حكام الخليج بلا استثناء يتعاملون مع شعوبهم بمنطق المظلة الأبوية، أو الحاكم الراعي الذي يبحث عن العدالة والرفاه والأمن والأمان لشعبه، لكن بمفهومه الخاص ونظرته الخاصة..

وكانت للأسر الحاكمة أدوار ريادية عظيمة في بدايات تأسيس هذه الدول، فقد انتشلت جيوب ومتفرقات البنية السكانية المنتشرة في الخليج، من صحارى التشرذم والخلاف والضعف، ووضعتها في قوالب دول حديثة تتمتع بمقومات الحياة الكريمة كافة، خصوصا بعد اكتشاف البترول.. وتعاملت الأسر الحاكمة مع الشعوب معاملة الطرف المكمل، وليس الحاكم الذي ينظر من علٍ، ويمكن ملاحظة هذا جلياً في القصص التي يتداولها أجدادنا عن حكامهم، وكيف كانوا يديرون أحوال شعوبهم اليومية من مجالسهم المفتوحة، مستحضرين مفهوم الخدمة لا الولاية..

وأيضا يحسب لهذه الأسر الحاكمة، تجنيب دول الخليج المد الثوري العربي في منتصف القرن الماضي، والذي لم يجلب لشعوب المنطقة سوى الدمار والفقر والديكتاتورية المتسربلة برداء الجمهوريات الحرة..

وفي المقابل، بادلها المواطن الخليجي الولاء والطاعة في بدايات التأسيس، بسبب حاجته الماسة للاستقرار وشعوره بحجم ونوعية الانتقال من منطقة الخوف إلى منطقة الأمن.. التفت الجموع الخليجية حول حكامها كنوع من التوحد البشري قبل توحيد الأرض، ووجدت فيهم مثلاً أعلى لرمز يتفق حوله الجميع بقبائلهم وقراهم ومدنهم التي كان يضربها الشتات قبل مجيئهم..

كما يقف وراء هذه الاستثنائية الخليجية، المجهود المشهود والرائع الذي تقوم به الأنظمة الخليجية، للتنمية المستدامة والتقدم الحضاري لشعوبها، فالاستثنائية هنا ليست شيئا لا يحتاج لتنميته وتعزيزه، وإنما هي كائن حي يحتفظ بنضارته وصحته كلما أخذ مزيداً من الرعاية والاهتمام والفحص الدوري المستمر.. وضمن ذلك أكد البعض أن ما تحمله الثورات العربية، هو «حمل كاذب» ضار لمنطقة الخليج لو أخذت به..

ويمكننا أن نعزو هذه الاستثنائية إلى طبيعة التركيبة النفسية لابن الصحراء، والتركيبة الاجتماعية الهرمية في التاريخ العربي الصحراوي الذي يؤمن بعمود الخيمة (شيخ القبيلة أو الحاكم)، تلك التركيبة لا تجعله يتحرك وفق العقل الجمعي، لأنه بطبيعته يجنح للاستقلال، ويرتاب حين يدرك أن هناك من يملي عليه ما يجب أن يفعل..

ومما يمنح الإمارات خصوصية أكبر في هذه الاستثنائية الخليجية من الحالة العربية الراهنة، ويحصنها من كل فكر وافد، ومن كل الأيديولوجيات المستوردة بكل تنويعاتها، سواء أكانت إخوانية أو ليبرالية أو اشتراكية، أن مؤسسها زايد الخير ومعه الآباء المؤسسون، بنوا دولة الإمارات على منظومة من القيم النبيلة، خرجت من قلب مخلصٍ لتاريخ هذه الأرض وأصالتها وإشراقاتها وموروثاتها، ممزوجة بأدوات مفعمة بروح العصر الحديث ومعارفها المختلفة، في مزيج خلاب يجمع بين أصالة الماضي ومعطيات الحاضر..

ومن هذه القيم النبيلة والعظيمة التي أسست عليها دولتنا الفتية، تكريس تعاليم الإسلام وقيمه وسماحته، فقد بنى زايد الخير، رحمه الله، دولة الإمارات على تعاليم الإسلام الحنيف وسماحته وقيمه العظيمة، وحرص على ترسيخ هذه القيم والمبادئ منذ أول يوم، وأكد على الهوية الإسلامية للدولة غاية التأكيد، وبذل الأسباب لترسيخ الثقافة الإسلامية السمحة في جذور المجتمع الإماراتي، في وقت كانت تحاول فيه أصوات الشيوعية وغيرها أن تخترق العقول..

ولم يكن التأكيد على الثقافة الإسلامية وترسيخها غريباً على الشيخ زايد، فقد كانت هذه القيم مصاحبة له منذ أيامه الأولى، فقد كان هو ذلك الفتى الذي حرص على تلقي تعاليم الإسلام، “وتعلَّم أن القرآن ليس كتاب دين فحسب، بل تنظيم شامل لجميع جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كان القرآن النسيج الذي حيكت منه حياته، وتعلَّم أن يعود إلى آياته عند كل خطب”..

لقد حرص والدنا الشيخ زايد، طيب الله ثراه، على استجلاب تعاليم الشرع الحنيف من الكتاب والسنة ومصادر التشريع، وحث على ذلك العلماء والقضاة، فنشأ المجتمع متمسكا بدينه، مستصحبا تعاليمه الحنيفة وسماحته واعتداله وأخلاقه العليا، وكانت المذاهب الفقهية الأربعة من مكونات المجتمع الإماراتي، في روح وحدوية قائمة على التآلف والمحبة والوئام، بعيدة كل البعد عن التعدديات الحزبية والطائفية التي لا تورث إلا الفرقة والبغضاء، والتي يحاول أن يكرس لها اليوم أناس شذوا عن خطا مؤسسي هذه الدولة وقادتها وقيمها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s