نموذجنا الديمقراطي (1-2)

بقلم: ضرار بالهول

البعض من نخبنا الثقافية المستغربة، صدعوا رؤوسنا خلال العقود السابقة، تبشيراً بالنماذج الغربية من تطبيقات الديمقراطية، وبضرورة التحول الديمقراطي في مجتمعاتنا، وازدادت وتيرة صيحاتهم وصراخهم ليل نهار، عبر الفضائيات وكل وسائل الاتصال والإعلام، مطالبين بحتمية هذا التحول الديمقراطي، وخاصة بعد هبوب عاصفة ما يسمى بالربيع العربي، والتي لم يهدأ غبارها بعد!..

والحق أن المنطق واستقراء الواقع بتجاربه السياسية، يؤديان بنا إلى رفض الادعاء العريض المتعلق بحتمية الديمقراطية، وضرورة تطبيق نموذج معين لها في كل أرجاء دول العالم، خصوصاً في عالمنا العربي الذي تجد دول الغرب فيه سوقاً كبيراً ومرتعاً خصباً لتسويق مفهوم الديمقراطية وما يتضمنه من أفكار أخرى تتعلق به، وذلك بسبب الأفعال المشينة والتصرفات الحمقاء والسلوك الأهوج لبعض حكّامه في حق شعوبهم المبتلاة بهم..

ورفضنا لمبدأ حتمية الديمقراطية وضرورة تطبيق نماذج محددة منها في كل بقاع العالم، يستند إلى ثلاثة أسباب، أولها: يتعلق باختلاف التجربة السياسية لكل شعب من شعوب العالم، مما يعني استحالة أو عدم إمكانية سلخ تجربة ما من سياقها التاريخي واستنساخها في بلد آخر..

ثانيها: يتركز في أن مصدري مبدأ الديمقراطية من دول الغرب، يهدفون إلى فرض هذه المصطلحات علينا بالقوة، كصيغة مثلى للعيش ونمط وحيد للحياة من ناحية، وكجزء من خياراتها التي تراها كونية ومطلقة وقابلة للاستنساخ من ناحية أخرى، وذلك من أجل تحقيق مآرب وغايات معينة تتخفى وراء هذه المفاهيم..

ثالثها: ان شكل الحكم الذي يختاره شعب ما، يستند في الأساس إلى قيم نفعية ومصالح براغماتية، يراها هذا الشعب أو ذاك مناسبة له وملبية لطموحاته ومتوافقة مع عقائده التي يؤمن بها ويراها صحيحة وتقوده عبر سفينتها إلى بر الأمان، متحملين في الوقت نفسه مسؤولية قرارهم واختيارهم. ولذلك من غير الضروري أن تكون الديمقراطية صيغة وحيدة للحكم، تلغي وتستأصل الصيغ السياسية الأخرى للحكم التي ربما يقررها شعب من شعوب العالم بملء إرادته المستقلة..

ومن بديهيات ومسلمات الفكر السياسي، أنه لا يوجد مفهوم واحد للديمقراطية ولا شكل جامد لها لا تحيد عنه.. فالديمقراطية بالمفهوم الإغريقي القديم التي تعرف بأنها “حكم الشعب بالشعب ولأجل الشعب”، ليست سوى فكرة طوباوية أو نوع من المُثُل غير القابلة للتطبيق في أرض الواقع، ولم تُطبق في أي بلد في العالم منذ قديم الأزمان حتى اليوم، بل لا يمكن تطبيقها في المستقبل..

وأما الديمقراطية المتبعة حالياً في الغرب، والتي ترتكز على آليات انتخابية وفصل بين السلطات، فإنه لا يوجد لها شكل واحد، بل أشكال مختلفة باختلاف أحوال تلك الدول وتطورها التاريخي. فقد رأينا من قبل كيف اختلفت تلك الأنظمة بين نظام رئاسي (الولايات المتحدة)، ونظام برلماني (بريطانيا)، ونظام مختلط (فرنسا)، ونظام مجلسي (سويسرا)..

فالديمقراطية ـ إذاً ـ لها مضامين ومفاهيم مختلفة وفق تقاليد كل مجتمع وثقافته وتطوره التاريخي، ولذلك عندما زار “ديفيد كاميرون” رئيس وزراء بريطانيا، جامعة زايد في أبو ظبي مؤخرا وتحدث عن الديمقراطية، قال “إن الديمقراطية ليست في الانتخابات كل أربع أو خمس سنوات فقط، وإنما في توفير التعليم والدراسة في الجامعة والحصول على العمل المناسب”، بل قال إنه توجد ديمقراطيات في دول عديدة ولكنها لا تتجاوز الاسم إلى المضمون، وهذا ما قاله كاميرون أيضا في الجلسة السابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة (26 سبتمبر 2012)..

وعندنا في الإمارات أدرك الوالد المغفور له – بإذن الله – الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أن نظام الحكم الجيد هو الذي يحقق الرفاهية والحياة الأفضل للمواطنين، بغض النظر عن التسميات: بماذا إذاً يمكن أن نسمي هذا النظام؟.. عموماً ليس المهم هو التسميات، ولكن المهم هو الهدف، والهدف حياة أفضل للمواطنين، وهذا ما تقوم به دولتنا. إن أفكار العدالة والتقدم وغيرها من المفاهيم الحديثة، موجودة أساساً في ديننا الإسلامي، ونحن لسنا بحاجة إلى استيراد أنظمة من الخارج ما دام نظامنا يحقق الخير، كل الخير لأبناء الوطن.

لقد سعت قيادة الإمارات الرشيدة، بداية من الوالد المغفور له – بإذن الله – الشيخ زايد حتى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، لتحقيق الرفاهية والسعادة والرضى للمواطنين وثقتهم بقيادتهم وحكومتهم، وهذا ما شهد به تقرير دولي صدر مؤخراً يصنف الإمارات بأنها الأولى عالمياً في مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية، مما يعني ثقة المواطنين بقيادتهم، وفق مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية الذي أعدته مؤسسة إيدلمان العالمية الأميركية لعام 2012..

ونشير هنا إلى مستوى الحريات السياسية والمدنية التي يتمتع بها المواطن، وفق ضوابط القانون والشرع وعادات البلد، ويشهد لذلك قبول الإمارات في شهر نوفمبر الماضي عضواً في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة للفترة من بداية يناير 2013 حتى نهاية ديسمبر 2015، وهذا بمثابة شهادة دولية من هذا المجلس، على المستوى العالمي الذي حققته الدولة في مسيرة حقوق الإنسان..

هكذا فإن الديمقراطية في الإمارات العربية المتحدة تتخذ مفهوماً يتعلق بالسعادة والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، بما يتفق مع تقاليد المجتمع وثقافته ودينه وتاريخه.

وهذا المفهوم ينظر إلى الهدف النهائي للديمقراطية، وهو مشاركة المواطنين في الحياة العامة، وتوفير الرفاهية والأمن والاستقرار لهم، وفق مبدأ التشاور (الشورى)، وهذا ما يحدث الآن في الإمارات التي وفرت لشعبها كافة وسائل العيش الكريم والرفاهية والاستقرار والتشاور.

 وقد تجسد مبدأ التشاور في إنشاء المجلس الوطني الاتحادي وتوسيع اختصاصاته وطرق انتخابه، وهو الآن فاعل رئيسي في العملية التشريعية والرقابة والتعبئة السياسية.. إلخ، ويحرص صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على تطويره دائماً وتمكينه، وستشهد السنوات القادمة مرحلة جديدة من التمكين والتطوير، وهذا ما أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة إذ قال: “سنعمل على أن يكون مجلسنا أكبر قدرة وفاعلية والتصاقاً بقضايا الوطن وهموم المواطنين، تترسخ من خلاله قيم المشاركة الحقة ونهج الشورى”..

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s