تحليل: إلى #قطر وإن طال السفر

[CNN – بقلم الدكتور جواد العناني- رئيس المجلس الإقتصادي والاجتماعي في الأردن]: لقد ثبتت الإشاعة أخيراً، وتحولت إلى حقيقة تفتح الباب على كثير من الاجتهادات ، والتنبؤات حول مصير السياسة القطرية واتجاهاتها، وحول مواقف قطر في قضايا المنطقة المهمة مثل سورية، وحركة حماس، والعلاقة مع مصر بقيادة الرئيس الإسلامي مرسي.

الخبر تأكد إذن والشيخ حمد بن خليفة آل ثاني تنازل عن العرش لابنه الشيخ تميم، ابن زوجته الفاعلة وذات الحضور الشيخة موزة بنت المسند.

وبهذا القرار الذي تناولته وسائل الإعلام منذ أسابيع، يكون الشيخ حمد ثالث أمير لدولة قطر لا تنتهي ولايته بالوفاة، بل بقرار إداري أو إداري انقلابي. فالشيخ حمد هو الذي ساهم في تنحية والده عن الحكم في عام 1995، مثلما قام الشيخ خليفة في أوائل عام 1972 بالانقلاب على ابن عمومته الشيخ أحمد الذي غادر قطر ليعيش في دبي.

ولكن هذا القرار الأخير أتى طواعية. ويشاع أن سببه هو مرض الشيخ حمد بن خليفة بالسكري ومضاعفاته مما جعل مسؤولية الحكم ثقيلة على كاهله.

وبهذا القرار، فإن الشيخ حمد بن خليفة قد ترك لابنه وديعة مليئة بالمسؤوليات والتحديات. فهنالك ملفات كثيرة تصدت لها الإدارة السياسية القطرية في العراق، والصومال، وقطاع غزة، والضفة الغربية، عدا العبء السوري الذي تنوء بحمله الجبال. وبالطبع هنالك ملفات اخرى مرتبطة بتعظيم دور قطر الإقليمي والدولي لا بد من إنجازها والدفاع عنها مثل إقامة مسابقة كأس العالم الكروية عام 2022 ، وملف قناة الجزيرة التي يبدو أن بعضاً من بريقها بدأ يخبو.

ولكن الملف الكبير هو دور قطر وسياستها في منطقة الخليج. ويبدو أن تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 قد قربت قطر من السياسة الأمريكية على حساب المملكة العربية السعودية. وقد بدأ بروز هذا التحول في السياسة الأمريكية بعد نقل قاعدة أمريكية ضخمة من المملكة العربية السعودية إلى الصحراء القطرية.

ومع أن قطر لم تتخذ قرارات اقتصادية واضحة ضد المملكة العربية السعودية مثل موافقتها على دخول اتفاقية العملة الموحدة في الوقت الذي رفضت فيه ذلك كل من الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان، إلا أن الخلافات السياسية مع المملكة العربية السعودية، بسبب قناة الجزيرة على سبيل المثال، هو الذي برز بشكل واضح على السطح، وسبب تعكيراً في العلاقات مضى عليها زمن ليس بالقليل.

ولذلك ، فإن أهمية ما جرى في قطر من إعلان التنحي من قبل الشيخ حمد إلى ابنه الشيخ تميم تنبع من الخط السياسي الذي ستنهجه قطر الشيخ تميم. ويبني بعض المحللين آراءهم حول هذا التحول على أساس صراع قوىً خفية بين الشيخ حمد بن جاسم ورئيس الوزراء والشيخة موزة والدة الأمير الجديد.

ويبني هؤلاء المحللون توقعاتهم على أساس أن الشيخ تميم ليس راغباً في الاستمرار بدور المشاكس في المنطقة، ولا بدور صاحب الرأي المستقل، بل يريد دوراً لقطر يعيد دفء العلاقات مع دول الخليج والدول العربية الأخرى، دون الالتفات إلى التكتلات والخلافات العربية البينية.

أما آخرون، فيقولون إن الشيخ حمد بن جاسم قوي، وله اتصالات دولية لا يستهان بها، وأن هنالك قوى في الغرب وفي المنطقة ترى فيه نصيراً قوياً، وتحب السياسة التي ينتهجها، وإن أدت إلى تعميق الخلافات الإقليمية.

وبين هذين الرأيين المتقابلين والمتناقضين يبرز رأي ثالث يرى أن السياسة القطرية الخارجية خصوصاً قد منحت قطر مكانة مرموقة لا يمكن أن يقبل الأمير الجديد التنازل عنها. فقطر تملك مقومات كثيرة مثل فائض المال ووفرته، ومكانة يعترف بها الجميع. هذا كله بالإضافة إلى إنجازات قطر الكبيرة في عهد الأمير المعتزل الشيخ حمد بن خليفة.

فقد طورت قطر صناعات محترمة ومربحة في مجال البتروكيماويات، والغاز المسال، والحديد، والألمنيوم، والأسمدة. وكذلك طورت بناها التحتية والفوقية، وصارت شواطئها تنافس دبي وأبو ظبي في بهائها وجمال أبنيتها وفنادقها وحدائقها. وكذلك، فإن قطر بنت شركة طيران منافسة ودعمتها بالخدمات المتميزة وبمطار جديد تتوفر فيه كل أسباب الراحة والخدمة المتميزة. وكذلك نجحت قطر في اجتذاب مسابقة كأس العالم الكروية.

فهل تقبل قطر بعد ذلك بالتنازل عن كل هذا ؟؟ وماذا عن قناة الجزيرة ذات المشاهدة العالية والبرامج المثيرة، والحضور الدولي المؤثر، والتي وصفها توماس فريدمان في كتابه “الليكزس وشجرة الزيتون” بأنها جعلت من قطر قوة دافعة دولية”.

هل يمكن أن يكون لدى السياسة الجديدة في دولة قطر قدرة على التكيّف بالاتجاه المعاكس للاتجاه الذي بنت عليه استراتيجيتها وسياستها في السنوات السبع عشرة الأخيرة لتكون كتلة حرجة في الإقليم والعالم.

إن هذا يعتمد في الدرجة الأولى على صحة ما يشاع من صراع قوى، وإلى النتائج التي ستفضي اليها. فإذا خرج الشيخ حمد بن جاسم من الحكم، فلا شك أن لذلك مغزى واضحاً بأن قطر سوف تسلك وبالتدريج طريقاً أخرى. وسوف تبدأ في إعادة النظر في علاقاتها مع دول مثل المملكة العربية السعودية والأردن، ولربما مع مصر التي يسعى رئيسها لإصلاح ذات البين مع المملكة العربية السعودية. وواضح أن تركيا حليفة قطر في عدد من الملفات، وأهمها الملف السوري، ربما تبدأ في إعادة حساباتها…

صحيح أن الموضوع كله قد يعتمد في النهاية على مصير رئيس وزراء قطر، ولكن الشخص في هذه الحالة ليس مجرد منصب، بل هو سياسة وتوجه ومواقف قد تكون لقمة أكبر من ان يتسع لها بلعوم قطر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s