مدرسة زايد.. إنها المدرسة الأمثل

مدرسة زايد.. إنها المدرسة الأمثل

مدارس مجتمعية كثيرة نشأت في العصر الحديث على مختلف مساحات دول المنطقة خاصة الإسلامية منها والعربية، ولكن معظمها ظلّ محدود الأثر، قصير العمر، لم يتجاوز سنوات عديدة مات على إثرها ولم يخلّف وراءه سوى مضيعة لأوقات الشعوب، وشدّا لها نحو الوراء، وإجبارها على بحث مدارس جديدة تحمل لها الحلول الناجعة لحاضر مزدهر، ومستقبل أفضل.

ومن أشهر المدارس التي صمدت لفترات طويلة واكتسبت جماهيرية مقدرة، المدرسة العربية الناصرية التي أسستها الثورة العربية في مصر، وتمكنت من تحويل نظام الحكم إلى ما ألهب حماسة شعوب ذلك الزمان.

ففي تلك الفترة كانت أحلام الاستقلال والتحرر من المستعمر، رغبة شعبية جامحة، والتقت إرادة الشعوب خاصة الشعب المصري مع توجهات تلك الثورة، فالتفت حولها، غير أن تنظيم «الإخوان» المتأسلمين لم يشأ لتلك الشعوب خاصة الشعب المصري أن يحقق أحلامه، وما أشبه الليلة بالبارحة، فالوقوف ضدّ إرادة الشعوب صفة لازمت التنظيم «الإخواني» منذ نشأته الأولى، وانسحبت على تاريخ كل الدول التي وطأتها قدماها.

ولم تسع الناصرية التي شكّلت حركات القوميين والاشتراكيين العرب سدّا لحمايتها وإطالة عمرها، لنقل تلك التجربة من حماسة معتنقيها، إلى أرض الواقع، وإحالتها رخاء في معيشة الشعوب، ولا تطورا لحالة الإنسان المحسوسة، ولكنها كانت عبارة عن مدرسة نظرية شأنها شأن الكثير من المدارس التي لاحت في العصر الحديث، وما يحسب لها أنها اهتمت بجوانب البناء العقلي للإنسان، وارتقت بفكره كثيراً وفق مقاييس ذلك الزمان.

أما مدرسة الحاضر الراحل، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، فمختلفة تمام الاختلاف عن كلّ ما عداها من مدارس، فلقد حملت في فحواها مختلف المفاصل المجتمعية، ولم تستند في تكوينها على فكر آخر، ولم تقم كغيرها من المدارس كردة فعل لطرد مستعمر، أو انقلاب على حكم قائم، ولكنها نمت من واقع رغبة المجتمع وإرادته في طرد التخلّف والظروف القاسية عن الدائرة المكانية التي يعيش فيها، مع إدراكه التام ومعرفته الدقيقة بطبيعة الجينات التي تدخل في تكوينه وحملها كل شروط البداوة والساحل والجبل، وهو ما مكّن أسلافه من صنع حضارات قديمة قامت على أرض الإمارات، فاجتمع بدو الصحراء وصائدو لؤلؤ الساحل وقاطنو المناطق الجبلية في فكر رجل واحد يحمل سمات ذات البيئة، ويتخلّق بكامل أخلاقها، ويفهم طبيعة مجتمعها، ويشكّل جزءاً مهماً من خصوصيتها، فتوحدوا وانطلقوا غير عابئين بالمطبات والمعوقات التي أوقفت نمو مدارس كثيرة في المنطقة، لأن الإرادة كانت هي الأقوى، وهي المفصل الأساسي الذي بُنيت عليه تلك المدرسة المختلفة تماما عمّا سواها.

وبخصال البدوي الأصيل الذي لم تؤثّر فيه مغريات الزمن، بدأ الشيخ زايد وإخوته مؤسسو مدرسة الاتحاد، طيّب الله ثراهم جميعا، رحلة شاقة ومضنية لصناعة دولة من العدم، ولم تكن الرحلة نزهة قصيرة، ولكنها مشوار عمل طويل حافل بالكثير من التحديات التي جسّدوا خلالها نظرية كبرى شكّلت العمود الثاني الأهم في فكر مدرسة زايد، وهو التوقّع، فتوقعك لأسوأ الفروض مسبقا، يجعلك تتعامل معها بلا جذع، وبكل حنكة واقتدار حين حدوثها، وهو ما مكّن مؤسسي هذه المدرسة العظيمة من المضي قدما رغم عظمة التحديات، ورغم صعوبة الأوضاع، ومعارضة بعض من كانوا ينتفعون من بقاء المجتمع على صورته القديمة تلك، والتي كان يعاني فيها شظف العيش وقساوة الظروف.

الإنسان الذي حملت جيناته هذه الإرادة كان هو المستهدف الأول لتلك المدرسة، فالمكان الذي يُراد بناؤه، يُبنى من أجله، والدولة التي يُراد تأسيسها، تم التفكير في أمر تأسيسها من أجله، لذلك كانت البداية ببناء الإنسان الذي يصنع النهضة ويساهم في دفع مسيرتها والمحافظة على مختلف مكتسباتها هو الهم الأول لتلك المدرسة العملاقة التي تجسّدت واقعا في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو اسم لم يتقوقع في حدوده الجغرافية، ولكنه امتد وتمدد إلى كل جغرافيا العالم، وبطريقة مختلفة تماما، فليس الهدف الأساسي هو تقليد المدارس الاستعمارية التي تغزو بالفكر أو الجيش وغيره من وسائل الغزو المباشر وغير المباشر، ولكنها كفرت تماما بمعنى الغزو وفكرته، فهي قد نبتت في بادية احتضنت امتداداتها أعظم ديانة عرفها الوجود، وشهدت انتشارا لفكر تلك الديانة لتنقل العربي الجاهلي الذي ماتت عواطفه وأحاسيسه لدرجة أن الخمر أصبحت تسبق موت والده في الأولويات، وشريعة الغاب التي كان القوي يأكل فيها الضعيف، إلى عقول تنير الدنيا كلها بالفكر والعمل وصدق الشعارات، ووجود الحلول العقلانية لكل مشكلات المجتمع، وضربوا أمثالا رائعة في التسابق لخدمة المجتمعات، والزهد في الأضواء وكراسي الحكم، لذلك حملت مدرسة زايد بفضل انتمائه الكامل لتلك البيئة وفهمه العميق الراقي لها، الإنسان كإنسانية قبل أن يكون جغرافيا، فبنت المدارس وكفلت الأيتام وسيّرت قوافل الإغاثات، وقدمت الإعانات والمنح، ووقفت مع مختلف الشعوب في محنها، فانتشرت آثار مدرسة زايد إنسانية لا غزوا، وحنانا لا قسوة، وتقبلا طوعيا بل ورغبة، لا كراهة وإرغاما، وبقي الإنسان هو كلمة السر الأولى والأخيرة في فكر مدرسة زايد التي لم تدرك السباق فحسب، رغم تأخّر ميلادها، ولكنها باتت لا ترضى بغير المركز الأول في مختلف مناحي التنافس النهضوي المجتمعي الشريف، ولم يمت زايد الذي ما زالت الدولة تستحضر ذكرى رحيل جسده في مثل هذه الأيام المباركات، لأنه ماثل في كل من خلفه، ولأنه جسّد نفسه وفكره ومدرسته في جينات شعب الإمارات فغدا المدرسة الأمثل التي لا تموت أبداً، لأن شعب الإمارات كله زايد.

بقلم: د. سالم حميد

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s