الإمارات والتطوير السياسي

الإمارات والتطوير السياسي

المصدر | بقلم: سليمان الظهوري

يقترن اسم الإمارات دائماً بمفهوم التطور، حيث أحرزت بلادنا أكبر الإنجازات وأعلى نسب التقدم في شتى مجالات العمل الوطني، لتنافس دول العالم وتتصدر الكثير من القطاعات، ويعود الفضل بعد الله تعالى إلى القيادة الرشيدة التي تمضي بسفينة الدولة إلى بر الأمان وشاطئ التفوق، ولكن برزت في السنوات الأخيرة الحاجة إلى إحداث تغييرات في آليات العمل السياسي بالدولة، ضمن مشروع متكامل للتمكين والتطوير السياسي، فكيف حالنا مع التطوير السياسي؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لا بد أن نستعرض سريعاً المراحل التاريخية التي مرت بها إماراتنا لنكوِن تصوراً شاملاً يأخذ بالاعتبار أن لكل مرحلة ظروفها وأولوياتها.

ستكمل الدولة بعد أشهر عامها الثاني والأربعين وهو عمر قصير في حسابات الأمم والأوطان، لذلك فإن النظرة المتعمقة لاستقراء مجتمعنا تقودنا لنتيجة طبيعية مفادها أن الدولة مرت بمراحل زمنية مختلفة ولكل مرحلة منها أولوياتها ومعطياتها، ففي البدايات تمثلت الأولويات في تثبيت أركان الدولة وترسيخ دعائم الاتحاد، وبناء المؤسسات، وكان الهدف الوطني البارز هو توفير الخدمات لمواطني الدولة بعد سنوات من الحرمان، حيث أنعم الله علينا بالاتحاد والاستقلال والاستقرار وأنعم علينا بثروة البترول، وهذه الثروة لا يمكن أن تعطينا الحياة دون أن يقودها رجال مخلصون يجيدون الحفاظ عليها وتنميتها واستثمارها وتسخيرها في خدمة الوطن والشعب، وبالفعل قاد زايد الخير مرحلة التأسيس بكل اقتدار برفقة راشد الخير وإخوانهما الحكام من الرعيل الأول، ووفروا الحياة الكريمة لشعبنا الكريم، واستطاعوا مع جهود أبناء الإمارات أن يبنوا اسماً وسمعةً ومجداً كبيراً لبلادهم خلال فترة قصيرة، نخلص مما سبق أن المرحلة الأولى كان شعارها تأسيس الدولة بكيانها ومؤسساتها وخدماتها وعلاقاتها الخارجية وعضوياتها الاقليمية والدولية.

اذا وضعنا تتمة للمراحل التاريخية للدولة فإننا نجد أن المرحلة الثانية ازداد فيها التركيز على تعليم وتطوير مواطني الإمارات دون إغفال ولا إهمال للجوانب الأساسية كمصالح الدولة الأمنية وعلاقاتها الخارجية والخدمات المعيشية وغاية الرفاهية، وقد تحققت قفزات هائلة على أرض الواقع بانتشار وازدهار المؤسسات التعليمية والمعاهد التدريبية ومراكز ونوادي الأنشطة، لتظفر الإمارات سنوياً بأعداد من الخريجين والخريجات في تخصصات مختلفة وبدرجات علمية متصاعدة، توزعوا على إثرها في شتى مؤسسات العمل خصوصاً الحكومية منها، والتي كانت وقتئذ بأمس الحاجة لأبناء البلاد حتى يخدموا فيها بكل أمانة وإتقان، نخلص أيضاً أن المرحلة الثانية امتازت بسياسات وعمليات التنمية البشرية الوطنية.

وأما المرحلة الثالثة التي يقودها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله ورعاه – وأخوه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي – رعاه الله – وإخوانهما أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات وسمو أولياء العهود ونواب الحكام فإنها تواكب تطورات العصر وتغيرات أساليب القيادة والإدارة مع الحفاظ على الثوابت والتمسك بالقيم والأهداف العامة، وترفع الدولة شعار التميز وتتبنى التخطيط الاستراتيجي والرؤى البعيدة، وتعزز كيان دولة القانون والمؤسسات، وقد توجنا هذه المرحلة بجملة كبيرة من الإنجازات العالمية التي تؤكد نجاح الإمارات في مجال التنافسية، لكننا لا نزال نمضي في ذات المرحلة حيث أننا نمتلك رؤية تمتد حتى عام2021تتمثل في أن نكون من أفضل دول العالم، هذه التوجهات رفيعة المستوى والأهداف السامية تنم عن روح مليئة بالتفاؤل والإصرار وقوة الشكيمة والتحدي لدى قادة يحبون لشعبهم كل خير ولدى شعب يبادل قادته المحبة والولاء.

لكن ذات المرحلة هذه تشهد تطورات عالمية ضخمة وهائلة على الصعيدين الاتصالي والفكري، أنتجت ارتفاعاً في مستويات المعرفة والوعي لدى النخب وعامة الناس، هذا على الصعيد العالمي، وأيضاً على الصعيد المحلي تحديداً توجد تغيرات في مستوى النضج تثمر ميلاً إلى أهداف وتطلعات مجتمعية جديدة، وهذه الحالة المحلية تأتي كجزء طبيعي من حالة التنامي في أي مجتمع، أي أن كل مجتمع ينمو بمرور السنوات مثل الإنسان فتتغير أهدافه وتكبر أحلامه، ومجتمع الإمارات تجاوز كما أسلفنا مراحل التأسيس والتنمية البشرية وينتقل الآن إلى حالة من التطور الثقافي والفكري والذهني تحركه نحو متطلبات جديدة للحياة الوطنية، ومن هذا الباب تأتي الحاجة إلى التطوير السياسي.

إذاً الحاجة إلى التطوير السياسي نحو تعزيز الحريات والحقوق والمشاركة الشعبية تأتي كحالة طبيعية لنمو المجتمع ودخوله مرحلة جديدة من عمره، كما أنها تشكل مواكبةً لتغيرات العالم والمنطقة، لكنها في الإمارات غير عاجلة كما هي في دول أخرى، أقصد بأن المجتمع الإماراتي ليس بحاجة إلى نقلة نوعية سريعة في الحياة السياسية بل يحتاج تطويراً سياسياً متدرجاً لعدة أسباب من بينها أن دوافع التحسين السياسي كانتشار الظلم والفساد والتخلف والتسلط غير موجودة في حالتنا، بل إننا نشهد في بلادنا الأمان والاستقرار والنعيم المعيشي والتطور العمراني والبشري والإنجازات المؤسسية والوطنية، وقبل ذلك نرتبط بقادتنا بعلاقة حميمة مليئة بالمحبة والترابط والانسجام والتفاهم، وبالتالي نحن نعيش في دولة راقية مستقرة تحت مظلة نموذج رائع في الحكم مبني على القيم والوطنية، ويشكل امتداداً لتاريخ عريق من الحكم الرشيد.

إن التوجه نحو تدرج التطوير السياسي ليس فقط بسبب حالة النجاح السياسي التي نعيشها ولكنه أيضاً مراعاة لطبيعة وخصوصية المجتمع المحلي، واتعاظاً أيضاً من تجارب دول أخرى استعجلت التحويل السياسي فانعكس هذا سلباً على أمانها واستقرارها ووحدتها وتنميتها ومكانتها.

ماذا نعني بالتطوير السياسي؟

التطوير السياسي في حالتنا الإماراتية يتمثل بشكل أساسي في تقوية صلاحيات وأدوار المجلس الوطني الاتحادي ( البرلمان ) ليؤدي مهامه على أكمل وجه، كما أنه يتمثل في تعزيز حريات التعبير دون مخالفة القوانين وتجاوز الحدود، كما يتمثل التطوير في دعم جوانب العمل الحقوقي الذي يتسم بالشفافية، فهو ببساطة اتخاذ خطوات لتعزيز الحريات والمشاركة وحماية الحقوق.

لماذا التطوير السياسي؟

عندما نطالب كمجتمع ونسعى كدولة للتطوير في أي مجال فهذا لا يعني بالضرورة أننا الآن فاشلون أو متأخرون، بل هو مزيد من الطموح نحو الأفضل، ومواكبة لتغيرات العالم والمنطقة، وجزء من حالة طبيعية لنمو وتطور المجتمع.

كما أن التطوير هذا سيؤدي إلى تحسين جودة القرارات والأعمال الوطنية لأنها ستصبح نتاج جهد حكومي شعبي يشارك فيه عدد كبير من العقول.

ما هو حالنا السياسي؟

أولاً نعيش في الإمارات كما أسلفت في ظل نظام سياسي نفتخر به، لأنه يمثل تاريخنا ويحقق النتائج الضخمة والأهداف العامة لأي مجتمع، ولنا علاقة خاصة بقادتنا يصعب على الجهات والأشخاص خارج الدولة أن يستوعبوها.

ثانياً: السياسة هدفها مصلحة الوطن والشعب، ونحن تحققت آمالنا ومصالحنا الكبيرة ونطمح للمزيد، وقد حققنا مكتسبات وإنجازات ضخمة نعتز ونفرح بها.

ثالثاً: السلطة لدينا ممثلة في رئيس الاتحاد ونائبه ثم المجلس الأعلى للاتحاد ثم مجلس الوزراء ثم المجلس الوطني الاتحادي ثم السلطة القضائية، والسياسات والقرارات الكبرى للدولة تتركز بشكل أساسي في صاحب السمو رئيس الدولة ونائبه والحكام وأولياء العهود، ولسمو الشيوخ مكانة ونفوذ وصلاحيات، ونحن نعلم أنهم يحسنون إدارة البلاد ولا يستغلون سلطاتهم إلا فيما يخدم الوطن والشعب، بل إنهم يلتقون باستمرار بالنخب والمواطنين ويعملون بمبدأ الشورى فيشركون الشعب في اتخاذ القرارات الوطنية.

أما الخطط الوطنية فتتم بشكل علمي من خلال مراكز بحثية ومؤسسات الدولة كل في مجال اختصاصه وهي بذلك نتاج لجهود أبناء الوطن أصحاب المعرفة والمهارة والخبرة في مجالات اختصاصاتهم عبر مختلف المؤسسات.

رابعاً: نحتاج فعلاً لتعزيز المشاركة الشعبية ويتمثل هذا بشكل أساسي في تقوية صلاحيات وأدوار المجلس الوطني الاتحادي، كما نحتاج تعزيز الحريات والعمل الحقوقي.

كيف بدأنا في مشروع التطوير السياسي الإماراتي؟

بدأ المشروع ببرنامج التمكين السياسي الذي أطلقه رئيس الدولة عام 2005وبدأنا نعايش تجربة تطوير البرلمان فبعدما كان الوصول للمجلس واختيار الأربعين عضواً يتم عبر التعيين من قبل دواوين الحكام، دخلت الانتخابات إلى الإمارات عبر انتخاب نصف الأعضاء وتعيين النصف الآخر، وبدأنا نلحظ نشاطاً أكبر لأعضاء المجلس ممثلي الشعب، وتم تطوير آليات للتواصل مع الجمهور، لنشعر بالفعل أن قضايانا وهمومنا ( على قلتها ) أصبحت تطرح بجرأة وصراحة وشفافية مناسبة، مما أدى لعلاج الكثير من المشكلات.

وفي انتخابات 2010توسعت قاعدة المشاركة الشعبية ليرتفع عدد أعضاء الهيئات الانتخابية إلى 135.308( المصدر: موقع اللجنة الوطنية للانتخابات ) في نقطة تحول تاريخية في مسيرة العمل البرلماني الإماراتي، في ذلك العام عشنا أجواءً سياسية جديدة حيث امتلأت لوحات الشوارع وصفحات الجرائد وغيرها من وسائل الدعاية بصور ورموز وشعارات وبرامج المرشحين لعضوية المجلس الوطني الاتحادي وتفاعل الشارع والإعلام المحلي مع الحدث بشكل بارز.

لكن الأهم هو حرص الحكومة ممثلة في وزارة الدولة لشؤون المجلس الوطني الاتحادي على توعية المجتمع سياسياً من خلال إنشاء إدارة مختصة هي إدارة التنمية السياسية التي أقامت ولا تزال تقيم جملة من الندوات والبرامج لنشر الثقافة السياسية بين أفراد المجتمع.

ومع مرور السنوات القادمة ستكبر تجربتنا البرلمانية وستزيد بالتأكيد معرفة وخبرة الشعب السياسية، وبالتالي ستستمر قيادتنا الرشيدة أيضاً في تطوير النظام عبر تعزيز حق الترشيح والانتخاب، وسنشهد حراكاً مجتمعياً يتسم بالوطنية وينبع من روح الإمارات الطيبة الأصيلة.

ماذا عن أهل المطالب؟

بكل تأكيد حق الانتقاد البناء وحق رفع المطالب مكفول لكل مواطن ولكن عبر الوسائل الصحيحة، أما الذين خرجوا عن القيم والثوابت الوطنية وادعوا أنهم ناشطون يهدفون لمصالح الوطن والشعب، فإن أفعالهم لا تدل على ذلك أبداً، فكيف يسيء لرموز الوطن من يسعى لخدمة الوطن؟ وكيف يتعاون مع الجهات الخارجية من ينتمي لتراب الإمارات؟ وكيف ينكر إنجازاتنا من يفتخر بشعب الاتحاد؟

إنها حفنة تأثرت بأفكار غربية وتصرفت تصرفات غريبة لا تمت لديننا ولا لوطنيتنا بصلة، وليسوا أصحاب مطالب بقدر ما هم أصحاب أجندات سوداء لن تفلح أبداً في تحقيق مآربها في دار زايد، لأن هذه الدار دار عطاء يحفظها الله ويفتديها رجال خليفة بأرواحهم.

ختاماً الإمارات تمضي قدماً لتطوير تجربتها السياسية الواعدة، وستحقق بإذن الله وكما عهدناها نجاحاً كبيراً بل ستشكل أنموذجاً متميزاً إن تأملته القوى السياسية في الدول الأخرى بإنصاف ستأخذ منه الدروس الكثيرة وتطبقها في بلدانها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s