فيلق القدس والتدخل الإيراني في المنطقة

فيلق القدس والتدخل الإيراني في المنطقة

المصدر | إن صعود روحاني إلى الرئاسة وتشكيل حكومته مطلع يوليو 2013، جاء وفقاً لرغبة المرشد الأعلى خامنئي وتوزيع الأدوار، ومحاولة منه إلى تحسين صورة إيران في المنطقة بوصف روحاني “بالاعتدال” واحتسابه على الإصلاحيين. لذا أعلنت البسيج، وأئمة الجوامع عن تأييدهم لفوز روحاني. وفي خطوة متعاقبة تم تسمية قاسم قائد فيلق القدس ليكون القائد العام للحرس الثوري الإيراني، وفقاً لما تناولته بعض المصادر الإعلامية من تسريبات.

منذ نشوب الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 وإيران تشن حرباً استخباراتية ضد جاراتها من الدول العربية أولها الإماراتوالعراق وتدخلاتها في لبنان وسوريا،وإعلانها الحرب على الغرب بتسمية أميركا بالشيطان الأكبر، وقطع علاقاتها الدبلوماسية مع كل من أميركا وبريطانيا مع الأيام الأولى من الثورة. إيران لديها هاجس وقلق أمني مفرط من الولايات المتحدة والغرب، لذا قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع أميركا، كخطوة استباقية أمنية واستخبارية.

فيلق القدس

يشهد الحرس الثوري الإيراني تغييرات في هيكليته، وسيصبح قاسم سليماني قائد فيلق القدس القائد العام للحرس الثوري، فيما سيحل محله الجنرال محمد فرد الموجود حالياً في سوريا. اعتمدت الثورة الإيرانية على الحرس الثوري في البدء أكثر من جهاز مخابراتها بتأمين أمنها القومي قبل ولادة فيلق القدس. وتعود بدايات فكرة تشكيل قوة القدس الإيرانية إلى العام الأول من الثورة الإيرانية، عندما قرر الخميني فرض ولايته الدينية المسلحة على العالم. وكانت التسمية الأولى لجيش المهمات الصعبة بجيش التحرير حتى بعد سنة من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1981، حيث تم تسميته قوة القدس كقوة تابعة لحرس الثورة الإيرانية لتتوسع مهامه إلى جغرافية المصالح الإيرانية في المنطقة، بضمنها لبنان وأفغانستان، وليتحول إلى فيلق القدس عام 1990 ليكون التنظيم شبه الاستخباري الأول المسؤول عن تنفيذ استراتيجية ولاية الفقيه بالإضافة إلى تقويض المعارضة الإيرانية في الخارج. وبأمر المرشد الأعلى علي خامنئي، تولى قاسم سليماني، مسئولية السياسة الخارجية الإيرانية في عدة دول منها لبنان، العراق، الخليج، فلسطين وأفغانستان.

قاسم سليماني من مواليد  1957 وعين عام 1997 قائداً لفيلق القدس خلفاً لأحمد وحيدي ورقي من لواء إلى رتبة فريق في 24 نوفمبر 2011. وكان سليماني من كبار قادة الحرس الثوري الإيراني خلال الحرب العراقية الإيرانية، التي استمرت ثمانية أعوام بصفته قائدا للفرقة 41 “ثار الله”.

وتقع مسؤولية تدريب المجموعات المسلحة على فيلق القدس داخل أراضيه أو خارجها والعراق ولبنان وسوريا. وتوجد لفيلق القدس ستة دوائر رئيسية ترتبط بقائد فيلق القدس وفقا لتقرير الدكتور الباحث عبد الستار الراوي وهنالك سبع دوائر أخرى مرتبطة بمعاون قائد الفيلق وتتفرع منها ثلاث عشر مديرية تحت إشراف رئيس أركان الفيلق، وأضاف التقرير بوجود ما يزيد على عشرين محطة ومقراً تعمل داخل العراق ولبنان وسوريا والخليج ودول أخرى. وتضم المحطة الرئيسية، شبكة من مقرات فرعية ففي العراق مثلاً، هناك أربع مقرات وهي (ظفر، نصر، رعد، فجر) وجميعها قريبة من الحدود العراقية وتشرف على إدارة المجاميع المرتبطة بها.

وتعتبر قوة “الولاية”، من أخطر المليشيات الإيرانية التابعة للحرس الثوري والتي تعمل بإمرة فيلق القدس، أدخلت إلى العراق بعد 2003، تحمل عناصر القوة رتب عسكرية. ومن بعض مسؤوليات فيلق القدس تدريب جيوش من المتطوعين في العراق وطبقاً للمعلومات التي سرّبها عضو المجلس الوطني السوري عبد الإله بن ثامر الملحم، فإن ميلشيات مُقرّبة من حركة حزب الله العراقي سربت معلوماتٍ مؤكدة، عن تدريب فيلق القدس لقرابة مائة ألف مقاتل تمهيداً أرسلتهم إلى سورية للمشاركة في الحروب الدائرة هناك. إن أهم ما يميز الحرس الثوري وفيلق القدس هو ارتكازه على الولاء العقائدي قبل الخبرة العسكرية.

لقد أعطت المادة الثالثة والمادة 154 من الدستور الإيراني، فيلق القدس الحق والشرعية من وجهة نظر الثورة الإيرانية، لتنفيذ عملياته بهدف نشر وتصدير الثورة الإيرانية. لتعطي فيلق القدس الشرعية وليكون وبامتياز جهاز استخبارات حرس الثورة الإيرانية والفقيه أكثر من غيره من الأجهزة الاستخباراتية التقليدية، المسؤول عن عمليات التجسس الخارجي وأحياناً مكافحة التجسس بالداخل. ويتخذ من إسرائيل ذريعة وفزاعة للتدخل في دول المنطقة حيث تشير التصريحات “يجب أن يعلم جيراننا، ودول المنطقة التي تربطها علاقات، بالنظام الصهيوني، أنّه سينظر إليها على أنّها تهديد لإيران.” هذه اللغة الخالية من الدبلوماسية والقائمة على هواجس المؤامرة والقلق أكثر من أن تعكس بأنها صادرة من دولة مؤسساتية مستقرة وتفهم علاقة حسن الجوار.

إيران وثورات “التغيير”
إن تطور ثورات الربيع العربي التي شهدتها المنطقة منذ عام 2010 ولحد الآن كانت تسير لصالح إيران باعتبارها قوة إقليمية. فسقوط النظام في ليبيا ومصرما قبل ثورة 4 يوليو 2013 وتونس كان يصب في صالح إيران، رغم اختلاف المذهب بعد أن كانت في حروب صامتة مع نظام القذافي وحسني مبارك وكذلك النظام في تونس بمحاربته التيارات الإسلامية. ما عدا تطورات الأوضاع في سوريا التي جاءت مفاجئة إلى إيران والمنطقة رغم كل التحديات والتحضيرات التي أعد لها النظام السوري في مواجهة تسونامي الربيع العربي والتي لم تنفع معها أي محاولات إصلاح ترقيعية من قبل النظام السوري وحلفائه.

احتلال إيران للعراق
إيران التي وصفت أميركا بالشيطان الأكبر لم تتردد من وقوفها إلى جانبه في غزو العراق والإطاحة بالنظام السابق، طالما يصب ذلك في صالحها بعد أن تجرعت مرارة الهزيمة على يد الجيش العراقي خلال الحرب العراقية الإيرانية 1980ـ1988. لذا كانت إيران وخاصة فيلق القدس وإطلاعات إيرانية في أعلى درجات الاستعداد لدخول العراق في أعقاب انهيار النظام العراقي والدولة العراقية 2003.

المراقبون للتواجد الإيراني في العراق أكدوا بأنه كان متزامناً مع دخول القوات الأميركية. وأكد شهود عيان وجود لافتات مكتوب عليها تسميات إيرانية وإطلاعات إيرانية بالإضافة إلى استحواذ حزب الدعوة على مقرات حزب البعث ومقرات الأمن العامة في المناطق السكنية وخاصة الشعبية المغلقة وتثبيت أسماء تنظيماته عليها كخطوة استباقية، للاستيلاء على ما هو موجود من معلومات وملفات سرية تمكنهم من تتبع ضباط ومراتب الأمن والأجهزة الأمنية وقيادات حزب البعث بهدف التصفية، والتي تم تفسيرها فيما بعد بأنها خطوة انتقامية مبيتة تقوم على إسقاط الدولة العراقية ورسالة لتحجيم التجربة الأميركية في العراق.

إن تداعيات المناخ السياسي الساخن في المنطقة كان يتجه إلى مصلحة طهران، ما عدا التطورات في سوريا ومصر بعد سقوط الإخوان. وقد كشفت المعارك الأخيرة في سوريا وأبرزها القصير في شهر أبريل 2013 عن نزول الحرس الثوري الإيراني ومقاتلين ـ ميليشيات إيرانية عراقية بالإضافة إلى حزب الله، لتأخذ المواجهة في سوريا خارطة مذهبية جديدة.

العراق منصة إيرانية على الخليج
التطورات جاءت تتماشى مع الرأي الذي يقول بأن هذا العقد هو عقد الاستخبارات والحروب السرية الناعمة غير المعلنة وهو زمن التزاوج الاستخباري أكثر من العمليات العسكرية الواسعة.

وهذا ما أكده باراك أوباما من الأيام الأولى من دخوله البيت الأبيض، عندما أعاد ترتيب أوراق وكالة المخابرات المركزية السي أي إيه، وأصلح العلاقة ما بين العسكرـ البنتاغون والاستخبارات ليبدأ عصر جديد للـ “سي اي إيه”. وكذلك ما تضمنته سياسة أوباما في اليمن وفي اتباعه استراتيجية استخبارية في مكافحة الإرهاب أي بإيجاد تعاون استخباراتي ثنائي أكثر من اعتماد نشر القوات على الأرض.

أميركا غزت العراق عسكرياً، أما إيران، فاحتلته استخبارياً مستغلة الورقة الطائفية وما موجود عندها من معارضة عراقية سابقة ما قبل 2003، لتدخل في مواجهة السياسة الأميركية ضمن محور الممانعة من خلال العراق، وفي نفس الوقت جعلت من العراق منصة استخبارية للتدخل في دول مجلس التعاون الخليجية العربية.

إيران تستغل العراق لصالحها وتتخذه واجهة وأغطية للتحرك في بعض دول الخليج واتجاه الولايات المتحدة، فما تعجز عنه إيران يقوم به العراق من خلال تبادل الأدوار. سبق للعراق ما قبل 2003 أن تعاون كثيراً مع إيران لتهريب النفط العراقي واليوم، تعيد إيران الدور مع العراق لكن بطريقة معكوسة للتخلص من العقوبات الاقتصادية والمالية في تصدير نفطها عبر العراق. استغلت إيران التداخل الديموغرافي العراقي الإيراني لصالحها ولعبت استخبارياً بورقة العراقيين المسفرين العراقيين من أصول إيرانية تم تسفيرهم خلال عهد النظام السابق. حيث فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوربي عقوبات اقتصادية على حكومة طهران في حزيران 2012.

لذا نجحت إيران بجعل العراق أرضاً محروقة لخدمة مصالحها لتثبت استراتيجية الاستخبار أكثرمن الغزو العسكري. لقد اعتمدت إيران على عدة عوامل لتثبيت وجودها الاستخباري الخفي مستفيدة من امتداد الحدود الإيرانية مع العراق، ومن بين تلك الدعائم هي المؤسسات “الثقافية والخيرية والإغاثية والتجارية والدينية “. واعتماد وسائل الإعلام لتثقيف المجتمعات المغلقة وفق الثقافة الإيرانية، لذا بدا العراق منذ 2003 يشهد ظواهر دينية معقدة وفيها الكثير من الغلو والابتعاد عن وسطية الدين تحت باب أسلمة المجتمعات العراقية، رغم أن الطبيعة السكانية للعراق لا يمكن أن تتقبل ذلك بسبب اختلاف الأديان والطوائف والمذاهب. وربطت إيران العراق اقتصادياً وسياسياً ليكون ولاية إيرانية. الحراك السياسي في العراق كان يدار مرة من قبل بايدن نائب الرئيس الأميركي ومرة من قبل قاسم سليماني قائد فيلق القدس.

هكذا وضعت إيران بثقلها في العراق اقتصادياً واستخباريا لتمسك بقادة بعض الكتل السياسية مباشرة وتمسك بالقرار السياسي العراقي من وسطه، ولتكون اللاعب الرئيسي في تشكيل الحكومات العراقية بل تصل سيطرتها إلى تسمية المرشحين للوزارات العراقية، وتشكيل الحكومة العراقية بالتوافق الأميركي الإيراني الذي تصفه إيران بالشيطان الأكبر. واستطاعت ملالي طهران تحقيق ذلك من خلال اعتمادها على فيلق القدس والحرس الثوري الإيراني وميليشات شيعية أكثر من قواتها النظامية لتنفيذ سياستها الخارجية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s