الفوضى السورية المصرية العراقية… خلّاقة بلا أخلاق

الفوضى السورية المصرية العراقية... خلّاقة بلا أخلاق

المصدر | الأزمة السورية، والأزمة المصرية وأحداث العراق، هي الأخبار الثلاثة التي لا زالت تحافظ على صدارتها في الاهتمام العام بين الأخبار كونها القضايا الأكثر سخونة في المنطقة والعالم، رغم التوترات والقضايا الأخرى التي تنوء بها مختلف أرجاء الكرة الأرضية.

الأزمة السورية لا تزال تمتاز بتباين الآراء حولها، حيث أصبحت قراءات حاضرها ومستقبلها لا تُستمد من موقع الأحداث، ولكنها تُستمد من دول خارج القارة التي تنتمي إليها، فروسيا لها موقفها المناهض لأية ضربة عسكرية للنظام السوري، ولمجلس «العموم» البريطاني حصته التي جذبت الاهتمام، حيث انزوى إلى خانة أقرب للرأي الروسي، وأخرج بريطانيا لأول مرة من حسابات الحرب، رغم أن رئيس وزرائها ديفيد كاميرون يقف على الضفة الأخرى من القرار، واضُّطرّ اضطراراً لقبوله، وجاء مجلس الشيوخ الأميركي بقرار جاهز أطاح بآمال البعض، وأنعش آمال آخرين، ولم يتساءل أحد عن سرّ هجرته لتلك المصادر التي يبدو أن قرار وقف الحرب واستمرارها، وأيضاً استبدال رئيس بآخر كما يستبدل لاعب الشطرنج القطع، وهو تساؤل تشير إجابته بوضوح كامل إلى أن المنطقة أصبحت ساحة لتصفية الحسابات بين الأطراف، وموقعاً نُقلت إليه مختلف المعارك، وكعكة عزمت مجموعة المخططين على اقتسامها.

أما في الداخل، فقد انقسمت الآراء إلى قسمين، قسم يندد بكل تدخل خارجي، ويبرر للأسد حربه كرئيس لبلد هاجمتها جيوش قدمت من مختلف الدول في شكل فصائل جهادية افتتنت بما توهمته «ربيع العرب»، وهي مجموعة من المغرر بهم مختلطين بطلاب السلطة الذين يهيمون بتنفيذ مخططات المخططين الأجانب من أجل تحقيق مآربهم السلطوية، وسيكونون أسوأ من الأسد حال حكمهم، فـ«الجهاديون» فشلت تجارب حكمهم في العديد من الدول العربية والإسلامية، ومن تم جلبهم من فنادق الخمسة نجوم أيضاً ثبت فشلهم في بلدان أخرى، وأن دعوتهم الأجنبي لضرب الأراضي السورية، هو تكرار لتجربة العراق الشقيق، الذي تم تدمير جيشه ومقدراته وكافة مرافقه الحيوية، فالمقدرات تبقى والحكومات تذهب، وما يستغرقه التدمير من وقت لا يمكن تعويضه بعشرة أضعافه عند التعمير، وهناك أشياء لا يمكن استرجاعها بعد التدمير كالمكونات التاريخية والأثرية وغيرها، كما أن الحالة النفسية التي يعيشها مواطنو الداخل الذين ليس لهم حول ولا قوة، ولا يعرف الواحد فيهم موعد الضربة ولا موقعها، وما إن كانت ستطاله وتطال منطقته أم لا؟ وحتى لو نجا منها، كيف ينجو من حالة الفوضى التي ستعم بعد القصف دون شك، خاصة وأن القصف لن يكن وخزة دبوس كما قال أوباما، وأنها ستكون موجعة مؤلمة يكون عدد من المواطنين دون شك جزءاً من ألمها، أما الجانب الآخر، فيرى أن الرئيس بشار طاغية، ولا ضير من الاستعانة بكائن من كان طالما أنه بدأ يستخدم القوة مع شعبه، ووصل به الأمر درجة استخدام السلاح المحرم دولياً. أما دول المنطقة، فقد تباينت آراؤها بذات التباين، ولكن الولايات المتحدة التي قال رئيسها بأن الضربة تهدف لإضعاف الأسد وتمكين المقاتلين من الإطاحة به، حسمت الأمر تماماً بأن خيار القوة هو الخيار الذي اتخذته بشأن الأزمة السورية، وجاء قرار الاتحاد الأوروبي صادماً لبريطانيا بعدما أقرّ بأن الأسد قد استخدم السلاح الكيماوي، وهي شهادة أحرجت روسيا التي قالت إنها ستتعامل بحزم مع الأسد حال ثبوت ذلك، وبعيداً عن الأزمة السورية دخلت القضية المصرية منعطفاً جديداً هو الأخطر، وذلك باستهداف موكب وزير الداخلية ومحاولة اغتياله، ولتنظيم «الإخوان» المتأسلمين المناهض للحكومة الحالية، سجل حافل وخبرة طويلة في مسألة الاغتيالات السياسية التي بدأوها كنار تأكل بعضها قبل أن تأكل الحطب، وهي مرحلة كارثية تتطلب من الحكومة المصرية التعامل بحزم أكثر وأعين مفتوحة لمنع موجة متوقعة جعلت الشعب المصري يعيش في قلق كبير وتوقعات لا تنتهي. وفي العراق، بعدما هدأت موجات التفجيرات التي حاولت الإجهاز على ما تبقى من روحه بعد الغزو.

وبعد انسحاب القوات الأميركية، ها هي ذا تعود أشدّ عنفاً وأكثر انتظاماً، وتخلّف عشرات الضحايا يندر أن نسمع بينهم عن اسم سياسي، ولكن معظم الضحايا كما هو الحال في سوريا ومصر، من المدنيين الذين لا ناقة لهم ولا جمل في كل الأحداث، والذين يتحدث المفجّرون باسمهم وباسم رفاهيتهم، ويتحدث القائمون على الأمر بذات اللسان، والجميع يستخدمهم وقوداً رخيصاً لمعارك غامضة الأهداف والنوايا والارتباطات الداخلية والإقليمية والمحلية.

ومن الملاحظ أيضاً أن الدول الثلاث التي تصدرت الأخبار، واستحوذت على اهتمام ومتابعة الرأي العام منذ فترة ليست بالقصيرة، قد خسرت كل هذه الفترة التي كان يمكن أن تفعل فيها ولو القليل تجاه ما ينفع الناس، غير أنها انشغلت بسياسييها وأهلها بكيفية الخروج من النفق الطويل المظلم الذي وجدت فيه نفسها لا تعرف خريطة المدخل أو المخرج، ولا تملك غير أن تدور حول نفسها بفعل وردة فعل بالتأكيد لا تتساوى مع الفعل ولكنها تزيد عنه. وبين الفعل وردة الفعل تتعطل الكثير من أوجه الحياة، وتتعطل مسيرة التنمية، وتتعطل مصالح مختلف أفراد الشعب، وقد تضطر الحكومات لفرض حالة الطوارئ كما حدث في الشقيقة مصر، وتفقد أسر كثيرة فلذات أكبادها كما في الدول الثلاث.

والملاحظ أيضاً أن الدول الثلاث متقاربة جداً من بعضها البعض، بل إنها أشبه ما تكون بالعقد الموصول، وبالتأكيد ما يحدث في سوريا انعكس قلقاً على الدول القريبة منها كلبنان والأردن، وبالإجمال لو حاولنا قراءة الخريطة التي تشتعل فيها النيران، وتنشغل حكوماتها وشعوبها بنفسها عن كل شيء، للاحظنا أنها بالمجمل تجاور إسرائيل التي تعهد الغرب بحمايتها، وتعهدتها الولايات المتحدة بعدما بلغت مرحلة الفطام عند صانعتها بريطانيا، وهو أيضاً يفسّر لنا سرّ الجماعات المتأسلمة التي تنادي بجهاد العدو الصهيوني، ولكن العدو الصهيوني في حساباتها هو الشعوب المسلمة التي تحيط بهذا العدو، والتي يبدأون بتكفيرها لمساواتها مع الإسرائيليين قبل أن يستبيحوا حرمة أراضيها وأهلها، ولا تزال الفوضى الخلاقة مستمرة، ولكنها خلاّقة بلا أخلاق.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s