وتمضي مخططات الفوضى الخلاقة

وتمضي مخططات الفوضى الخلاقة

المصدر | أحداث سبتمبر التي غيّرت وجه العالم، اختلف حولها الكثيرون ولا زالت حتى الآن لغزاً لم يتم حلّه بعدما تعددت الآراء حول مخططه؛ فالبعض نسبه لـ«القاعدة» ومتشددي الإسلاميين الذين أحسّوا بأن صانعيهم قد ضاقوا بهم بعدما انتهى دورهم بطرد الاتحاد السوفييتي من أفغانستان، وتمزيقه تمزيقاً يعجزه تماماً عن قضم أية كعكة في المنطقة بعدما تمت إزالة معظم أسنانه الحيوية، وبعضٌ آخر يرجّح أن الاستخبارات الأميركية هي من صنعت هذا المخطط لكي تتمكن من إحكام سيطرتها على المنطقة في ظلّ المخطط العام لتقسيمها، والذي رسمته الاستخبارات البريطانية منذ عهد سحيق، وتحديداً منذ القرن الثامن عشر، واستكملته الاستخبارات الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية ودول غربية أخرى الآن، واستمرّت في تنفيذه بدقّة متناهية، حيث يلحظ المتتبع لتاريخ الصراع في المنطقة، أن الأحداث تنشط لفترة من الزمن محققة بعض النتائج السلبية في معظمها على مجتمعات المنطقة، ومن ثم تهدأ فترة تكفي لتطبيق ما تم تحقيقه من نتائج، لتبدأ فترة عصف أخرى في دائرة لا تعرف التوقف.

وجاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتحريك البرْكة التي أسكتها الغزو الثقافي والسلوكي وثورة الإنترنت وغيرها من مظاهر العصر الحديث، وحان وقت مكافأة الجماعات التي تفانت في خدمة الاستخبارات الغربية طوال الفترة الماضية، أو التخلّص منها بعد أن أصبحت عبئاً ثقيلاً عليها، فقررت صيد كل العصافير بحجر واحد وهو تقديم كراسي السلطة في المنطقة مكافأة لتلك الجماعات، واستخدامها في ذات الوقت لإضعاف المنطقة وضمان تبعيتها وإطاعتها، إضافة لضمانها أمن وسلامة واستقرار إسرائيل التي شكّلت العمود الفقري في مخططات إضعاف المنطقة، فهي بذلك– الاستخبارات الغربية– تكون كمن تخلّص من النفايات بتدويرها وتحويلها إلى سماد تنتفع بجزء منه التربة، لكنها تحترق بما فيه من كيماويات، فأطلقت كونداليزا رايس مصطلح «الفوضى الخلاقة»، كإشارة انطلاق لسباق كسر جمود المخطط وانطلاق الأحداث من جديد في هذه المرحلة من تاريخ المنطقة. وكل بيت لا يعرف مكامن هدمه غير أبنائه، وهاهم الأبناء العائدون إلى أوطانهم من وهاد أفغانستان، وأدغال إفريقيا، وتخوم آسيا، تم حقنهم بإحساس العائد إلى خوض معركة أن يكون أو لا يكون، بدلا من أحاسيس العودة المحملة بحنين وأشواق الأرض والأهل. ومثلما تم تنظيمهم الاستخباراتي على مطلق الولاء والطاعة العمياء لأوامر الرتبة الأعلى، جاؤوا بذات المفاهيم لتطبيقها في المنطقة، لتتحول الرتبة الأعلى إلى درجة «مرشد» وتنزل دونها بقية الرّتب، وكما هو العمل القديم فإن الحرب على المجتمع هي الهدف والمبتغى، والتّمرّد على القوانين القائمة وانتهاج سياسية الميكيافيلية هي السمة الأبرز لملامح الحكم. وتبقى القوة والمؤامرات والمخططات هي مقاييس الإبداع التي حُقنت بها عقول قادة هذا التنظيم، فالعمل الاستخباراتي بكل أشكاله ووجوهه السريّة هو ما عرفته تلك التنظيمات، ولم تتعلم إجادة غيره، لذلك عندما اعتلت كراسي الحكم في بعض الدول، برزت بشدة هذه النزعة الاستخباراتية، فهي أنظمة تعتمد على السرية وتسريب الإشاعات والأكاذيب، وتعتمد على تطويع الفتاوى والقوانين، حتى إذا أعجزها ذلك عمدت إلى محاربة القوانين ومحاولة لي عنقها لتحقيق مآربها، وكثيرة هي أوجه التطابق، وهو ما جعلها أنظمة مؤامراتية دسائسية تسعى لتفتيت المجتمع عملا بالحكمة الاستعمارية الأوروبية القائلة «فرّق تسُد».

الفوضى المنظمة رأتها السياسات الغربية كعكة أجادت تقسيمها على الورق وشرّبتها للمبشرين الجدد بالعهد الجديد من أبناء المنطقة الذين برزوا في ثياب التائبين الورعين المتدينين، وألبسوا على المجتمع شعارات الدين ومعانيه ومقاصده، وهم يعلمون أن أخطر وأضمن طريقة للدخول إلى مجتمعات المنطقة هي عقائدها ومعتقداتها، ومن هنا تمكنوا من تحقيق أول هدف لهم بتقسيم المجتمع، فالواعون من المجتمع وقفوا في صفّ الرفض بعدما قرؤوا أطروحات الجماعة قراءة العقل، بينما بعض المغرر بهم وقفوا في خانة أخرى وهي خانة الانتماء للجماعة والدفاع عن أفكارها دون تمحيص أو فهم كامل لما تطرحه. ففي الطريقة الاستخباراتية التي ينتهجها التنظيم نزعة عسكرية تأتمر بقانون «نفّذ ثم ناقش»، ويقوم التنظيم بتحفيز منتميه بحوافز الفعل، فهو شهادة تمثّل أقصر الطرق إلى الجنّة، ويشغلهم عن التفكير فيما إذا كان الأمر الذي يريدون فيه نيل الشهادة يستحق تلك الفعلة ويستوفي شروطها واشتراطاتها.

وبدأت الفوضى الخلاقة بالعراق الذي قامت بتقسيمه لمختلف قادتها، وكافأت إيران بالكعكة العراقية والأكراد ببعض الكعكة. فالمخطط في أساسه مرسوم لإضعاف الدول المحيطة بإسرائيل، وكانت العراق صاحبة الجيش الأقوى الذي خاض معركة شرسة مع إيران، هو البوابة التي عبر منها المخطط إلى المغرب واليمن وليبيا والسودان، ومصر التي كادت تغرق لولا تنبّه بعض دول الخليج العربي، وتحديداً الإمارات والسعودية والكويت، للمخطط الذي يميل لمصلحة إيران التي تريد السياسة إبقاءها بعبعاً قوياً في منطقة يتم إضعاف دولها لتبقى شرطياً متعجرفاً للمنطقة، ويضمن الغرب رواج سوق سلاحه ومخدراته التي يتم الاستفادة منها ومن عائداتها في أعمال استخباراتية غاية في السرية، وفي تمويل بعض الحملات الانتخابية، وغيرها مما تسرّب في عديد من الوثائق.

ورغم أن الأمم المتحدة والكثير من دول العالم عارضت ضربة سوريا، إلا أن الولايات المتحدة مصرّة عليها، بينما الروس مصرون على تزويد سوريا بكل وسائل الرد، لتبقى الحرب حرب صراع بين أطراف محددة لغزو المنطقة، ولكل طرف أتباع ورعايا من الحركات على الأرض. ومن الواضح أن الكعكة السورية تمضي في اتجاه تقسيمها كما حدث قبلاً في السودان إلى كعكات، بحيث تذهب واحدة منها لإيران التي خاضت الحرب بجنودها وبـ«حزب الله»، وكعكة أخرى لتركيا التي أمسكت طول الوقت بريموت كنترول الحركات الإسلامية في المنطقة بالتناغم مع عرب تولوا أمر الغزو الإعلامي المساعد لتنفيذ المخطط.

وستحمل السنوات القادمة مزيداً من ملامح مخطط الفوضى الخلاقة، ما لم تلتفت المجتمعات إلى أبعاد ذلك المخطط وزرع التربية الوطنية كإجراء وقائي مضمون يحمل الوعي والمعرفة، والقدرة على عدم تصديق الأباطيل والانقياد لمختلف صور المخططات التدميرية.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s