التجنيس.. ما هكذا تورد الإبل!

بقلم: ضرار بالهول

انشغل المجتمع الإماراتي خلال الأيام الماضية بالضجيج المفتعل حول ملف التجنيس، خاصة بعد الدعوة المشبوهة التي أطلقت في إحدى الصحف الناطقة بلغة أجنبية، وما تلاها من نقاش. وبصراحة، لا يمكننا الحديث عن موضوع التجنيس دون الاطلاع على تجارب دول العالم المختلفة في هذا الموضوع الحساس، وتأثيراته السلبية على المجتمعات المعنية.

ولعل الملحوظة الأولى هنا هي أن الدول التي تتكون من شعب متجانس عرقيا وثقافيا ودينيا، نادرا ما تفتح باب التجنيس، وحتى إذا فتحته فإن ذلك يكون ضمن ضوابط صارمة ومحدودة بشكل كبير، وتكون في الغالب اشتراطات مرتبطة بالتشابه العرقي أو الديني أو الثقافي. فاليابان مثلا تمنح الجنسية لأبناء المهاجرين اليابانيين في أميركا الجنوبية، شريطة أن يكون الأبوان كلاهما من أصول يابانية، بينما تتشدد إلى أقصى الحدود مع الثقافات الأخرى.

أما الملحوظة الثانية فهي الدور السلبي الذي لعبه التجنيس في الكثير من الدول. ماليزيا على سبيل المثال، اضطرت في نهايات عهد الاحتلال البريطاني إلى تجنيس المهاجرين الهنود والصينيين، وكانت النتيجة أولا خسارة ولاية كاملة هي سنغافورة التي استقل بها الصينيون المجنسون، وصولا إلى الوضع الحالي الذي تتحكم فيه أصوات الهنود والصينيين في نظام الحكم، كما حصل في انتخابات مايو الماضي حين كاد التحالف الحاكم أن يسقط، لأن الصينيين اختاروا التصويت للحزب الصيني المعارض بدلا من الحزب الصيني الحاكم، بسبب خلاف على إجراءات اتخذتها الحكومة لمنع التبشير بين المسلمين.

هذا مع العلم أن الحزب الملايوي أمنو (أي ممثل أهل البلاد) الذي يقود التحالف الحاكم تقدم في عدد أصواته، ولكن موقف الصينيين كاد أن يسقط التحالف ككل!

أما في منطقتنا، فلنا أن نتذكر ما فعله الإنجليز في البحرين في الخمسينات، وتأثيراته في الأحداث المؤسفة التي تشهدها المملكة الشقيقة حاليا، مثلما علينا أن نتوقف مليا عند التجنيس الطائفي للشيعة الإيرانيين في كل من العراق ولبنان، رغم أن إيران متشددة جدا في التجنيس المقابل.

والحال أن الاستشهاد بالحالة الأميركية أو الغرب – أوروبية ليس نموذجا منتجا.

وذلك لسببين؛ أولهما العدد الكبير للشعوب المعنية مما يسهل ذوبان أي مجموعات قادمة فيها، والثاني أن المكونات الاجتماعية الرئيسية (أي القبائل) تلاشت في شكلها الاجتماعي منذ أكثر من 600 سنة، وحلت محلها مكونات أخرى أبرزها الأحزاب السياسية والأندية النخبوية وحتى التجمعات الدينية، كعوامل تذويب اجتماعية صاهرة. وهذا يختلف كل الاختلاف عن مجتمعاتنا التي لا تزال لحمتها قوية ومتينة، وروابطها الأسرية والاجتماعية مباركة وملتحمة.

العامل الثقافي هو الآخر مهم، وأعتقد أننا إذا نظرنا إلى حجم التداخل الواقع حاليا بين المجتمع المواطن والمجتمعات الوافدة، ندرك أن أي عملية تجنيس لن تؤدي إلا إلى تأسيس “ليتل تشاينا” و”ليتل إنديا” و”ليتل بيروت” وغير ذلك، لكنها لن تتحول أبدا إلى فرجان دبي أو الشارقة التي نعرف! لكن ما الذي سيحدث إذا فتحنا باب التجنيس، وخاصة على النحو الذي يقترحه البعض؟ معظم المطالبات الدولية التي تضغط على الدولة وبقية دول الخليج في ملف التجنيس تركز على تجنيس العمال تحديدا، وشخصيا أعتقد أن أفضل خدمة (أو حصان طروادة) يقدم لهذا الملف، هو فكرة تجنيس النخب المهنية والأكاديمية لأنها ستعني المزيد من الضغط، كما أنها ستوفر وصفات اتهامية جاهزة مرة بالعنصرية ومرة بالطبقية وما إلى ذلك.

خذوا مثلا آخر: كيف سنتعامل إذا كان هؤلاء قادمون من ثقافات حزبية ونقابية، تعتبر أن ميدان بطولاتها الوحيد هو المشاغبة على الحكومات بسبب أو دون سبب؟ هل نسينا هنا أن الإضرابات التي قامت بها مجموعات عمالية وافدة في السنوات الأخيرة كانت بتحريض من نقابات عمالية يسارية في بلادها؟

أما الدين فموضوع يستحق التوقف عنده.. نحن اليوم نتمتع بسجل ذهبي في التسامح الديني، بسبب رحابة الصدر في احترام عقائد ضيوفنا من الوافدين وعدم التضييق على أحد طالما يحترم القانون والنظام العام. كل هذا معرض للتغيير إذا تم تجنيس واحد على الأقل من ديانة غير الإسلام، لأنه سيتم عندها مناقشة الموضوع من زاوية أخرى مختلفة تماما اسمها “حقوق المواطنين غير المسلمين”، وهذا ملف إذا فتح فلن يغلق.

نحن والحمد لله دولة مضياف وشعب متسامح لا نكره الناس ولا نعادي إلا من يعادينا، لكن مسألة التجنيس مسألة لا يجوز التعامل معها لا بالنزوات ولا بالعواطف، فنحن نتحدث عن سلامة دولتنا وصلابة بنياننا الاجتماعي، لذلك يجب الحذر الشديد في مقاربة هذا الملف ضمن منظور المصلحة الوطنية العليا، وعدم تركها مفتوحة للأهواء والاجتهادات الشخصية التي لا تؤدي إلا إلى زيادة التحريض ضد الدولة وتشويه صورتها والإساءة إليها، وبأيد تدعي المواطنة.. للأسف!

أما الادعاء بأن التجنيس سيؤدي إلى حل مشكلة التحدي الديمغرافي فهذا تضليل ما بعده تضليل، لأنه سيمثل بشكل أو آخر بابا عمليا للتذويب المقنن والمنظم، على عكس ما يقوله المدعون. ويبقى أن لدينا ثقة في قادتنا وشيوخنا ونظامنا السياسي وأبناء دولتنا الحبيبة، تجعل الإمارات عصية على الذوبان وعصية على التفريط والمفرطين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s