مصر… وقفات مع تاريخها المعاصر

مصر... وقفات مع تاريخها المعاصر

المصدر | بقلم: السيد مشالي

اليوم.. ومصر تمر بأهم وأحرج لحظات في تاريخها القديم والحديث.. مفترق طرق.. تكون أو لا تكون..!! وبعد تجربة حكم “الإخوان المتأسلمين” وسقوطهم على يد ثورة الشعب العظيم في 30 يونيو أصبح الطريق واضحاً ولا طريق غيره!! وهو توحد وترابط كل أبناء مصر، على المضي، بلا تردد أو تراجع للتواصل واستكمال مسيرة الحركة الوطنية المصرية التي بدأها الزعيم الوطني مصطفى كامل لتسليم الراية إلى القائد الوطني الفريق أول عبد الفتاح السيسي، لتحقيق الهدف المرجو، وهو بناء مصر المستقبل – الدولة المدنية الحديثة – على أسس من الحرية والعدالة وتعظيم سيادة القانون..

ما أشد حاجتنا إلى إعادة بناء مصر الحديثة اليوم وبلا تقاعس، أو توان، وبأقصى سرعة ممكنة.. فقد بدأت المحروسة.. مسيرة الإصلاح والتجديد نحو المدنية الحديثة مع ولاية –  محمد علي باشا ـ لمصر أي منذ 200 سنة تقريباً.. وبعد أن بلغت المحافظة على القديم في أواخر عصر المماليك درجة كبيرة من التعصب أدت إلى التأخر والتخلف في كافة ميادين الحياة..

وكان لمسيرة الإصلاح روادها من زعماء، ومفكرين عظماء من أبناء مصر حققوا الكثير في مجال السياسة، والاقتصاد، والدين، والتعليم، والاجتماع، والطب، والصحافة، والفن بتفرعاته وإبداعاته.. وسوف أقدم للقارئ الكريم وخاصة الشباب منهم 4 زعماء ساهموا في التجديد، والإصلاح، ونهضة مصر في ميادين السياسة، والدين، والاقتصاد، والاجتماع.. وهم على التوالي.. الزعماء: مصطفى كامل، الشيخ محمد عبده، محمد طلعت حرب، قاسم أمين، ونتساءل لماذا تراجعت مسيرة الإصلاح؟ نعم أعني تراجعت ولا أعني توقفت.. وهذا أسوأ!! فلو تخيلنا اجتهاد هؤلاء الرواد وأحلامهم بفرض الاستمرار والتطور الطبيعي لمنهجهم جيلاً بعد جيل لرأيت في عيونهم مصر اليوم متربعة على عرش الريادة والزعامة عن حق بين الأمم.. وأصبح لحضارة 7 آلاف سنة معنى آخر..!

الإصلاح والتجديد من ضروريات الحياة فالإنسان بفطرته يمل التكرار، ويميل دائماً إلى التغيير المستمر في شتى مناحي الحياة.. والإنسان بما أودع فيه من عقل.. مطالب بأن يعمل من أجل تحقيق أهداف سامية لإسعاد البشرية جمعاء تتمثل في تحقيق الحرية والعدل والمساواة.. وهذا لا يأتي إلا بتقدم ورقي وتحضر الأمم.. فالتطور لا يتم بالجمود، والتشبث بالقديم.. وأيضاً التطور لا يتم عن طريق.. لا.. والمعارضة لكل ماهو قديم!! والمثل بيقول: “اللي مالوش قديم مالوش جديد” وقد يرد البعض ويقول: أمريكا جديدة ومتطورة وتتزعم العالم اليوم وليس لها تاريخ قديم! والحقيقة أن الرواد الأوائل من المهاجرين لهم قديم.. ومتنوع.. نسجوا على منواله أحلامهم.. ولولا تطويرهم لقديمهم، وإعمالهم للعقل والفكر لما اكتشفوا الأرض الجديدة، ولا كانت المدنية والزعامة لهم اليوم.. فالمدني الناجح، والمجدد الناجح، والإصلاحي الناجح هو من تدرج على هدى من تجارب القديم.. واختيار الأصلح والأوفق.. مع الاستمرار في التعديل والتبديل ومسايرة التطور العالمي والأخذ من ممارسات الآخرين كل ماهو إيجابي وما يتلاءم مع هويته وثقافته بما يحقق رقي الإنسان.. ولايوجد أي تعارض مع الأديان في هذا بل بالعكس فكافة الأديان تدعوا إلى التطور والعلم والتعاون والسعي في الأرض لتحقيق السعادة لبني البشر.. وقد حدثنا التاريخ بأن الأمم التي تمسكت بالقديم برغم حضاراتها العريقة، رزحت تحت عباءة التخلف من جهل وفقر ومرض.. فترات طويلة ونراها اليوم في مؤخرة الركب.. وكلما تأخرت في التخلص من هذا العبء أصبح البون شاسعاً بينها وبين الأمم المتقدمة، فالتجديد وثورة المعلومات جعل التطور فائق السرعة.. فبعد أن كان الرصد بالقرون، ثم العقود، والسنين.. أصبح هناك جديد كل لحظة، ومن الصعوبة ملاحقته.. فقد عرف العالم “الفيمتو ثانية”!! ونظرة على العالم من حولنا نرى فريقين.. الفريق الأول تخلص من قيود الماضي ونفض عن كاهله كل مسببات الجمود والركود.. وانطلق إلى الأمام نحو المستقبل بكل نشاط وحيوية متسلحاً بالفكر والعلم ولا مانع من أن يقوم بدراسة وتحليل الأسباب التي أدت إلى تحضر الأمم المتخلفة في ماضيها والاستفادة من تجارب وأبحاث وابتكارات علمائها في كافة علوم الحياة والاستفادة منها والبناء عليها.. والأمثلة كثيرة على مر التاريخ، فقد استفاد الغرب من اختراعات وابتكارات وتفوق العرب والشرق في كافة العلوم وكافة مجالات الحياة وتم البناء عليها، أما الفريق الآخر الذي مازال يعيش الماضي ولا نشاط له سوى التغني بأمجاد الماضي ورفع الشعارات والتمسك بضوابط وأحكام القديم في معالجة معاملاته وقضاياه ظناً منه أنه على حق في هذا.. والحقيقة أنه لم يدرك ويعي مقاصد شريعته.. وذلك بإصراره على حل مشاكله العصرية بالإبحار إلى الماضي مئات السنين ولمكان واحد، وزمان واحد، وبيئة واحدة ولا يميز بين ماهو خاص بالقيم والعقائد، وعن ما هو خاص بمسائل حديثة مستجدة نتيجة زيادة عدد الناس واختلاف الأجناس والزمان والمكان وتنوع الثقافات والتطور المذهل في المعلومات وتوفرها لكل من كان على الكرة الأرضية، ونظرة على واقع الحال في مصر اليوم سنجدها ضمن الفريق الثاني بجدارة.. في حين لو قمنا بإطلالة على المحروسة قبل قرن من الزمان لوجدناها ضمن الفريق الأول.. وأيضاً عن جدارة!! وهذا يحتم علينا ضرورة التوقف والبحث عن أسباب التدهور والتخلف والتراجع وحيث أصبحت السلوكيات العامة تتسم بالسلبية والنفاق واللا انتماء ولا تراها إلا من خلال هرم مقلوب ضاعت فيه كل القيم والأخلاق..!!

للوصول إلى أسباب النكسة وقد أطلقت هذا المسمى على الحالة المصرية – بسبب أنه يعتريني الآن نفس الأحاسيس التي اعترتني بعد نكسة 5 يونيو 1967.. ولكننا تكاتفنا جميعاً في حينه وقمنا على قلب رجل واحد بالتعبئة وشحذ الهمم من أجل تحرير تراب مصر واستعادة الكرامة.. فتحقق لنا النصر وتطهرنا من آثارالنكسة باكتمال استعادة كل شبر من أرض مصر.. وهذا ما يدعوني إلى التفاؤل والثقة أن شعبنا قادر على اجتياز النكسة الحالية.. وأحد الأسباب الرئيسية لما وصلنا إليه يعود إلى ثورة يوليو 52 فبدلاً من التقريب بين الطبقات.. لتحقيق العدالة الاجتماعية تركزت ممارسات رجالات الثورة بإعطاء الأولوية للبعد الاجتماعي وأدى ذلك إلى خلق الطبقة المتوسطة والتي أصبحت العمود الفقري للمجتمع المصري.. واستمر ذلك حتى غيرت الثورة جلدها.. وبدأت تغازل المجتمع الغربي، دون استعداد أو تمهيد للمجتمع.. فانهارت الطبقة المتوسطة.. وظهرت طبقة جديدة لها مصالحها واقتربت من السلطة حتى زاحمت السياسيين.. وهبطت الطبقة المتوسطة لتنضم إلى الطبقة الدنيا.. وأصبح الهرم مقلوباً! وصار الهروب من واقعها تمرداً على كافة القيم والأخلاق النبيلة الموروثة لأنها وجدت بين من وصلوا إلى قمة الهرم بقيم جديدة دخيلة على المجتمع.. وغرق رب الأسرة في العمل من أجل توفير الاحتياجات الضرورية لأسرته وفقد الشباب القدوة التي تربوا عليها وأصبحت قدوتهم النماذج الطاغية على سطح المجتمع والذين صاروا نجوماً له.. ومن الشباب من هرب إلى لباس الدين دون جوهر فأصبح مسخاً!! ومنهم من هرب إلى القيم الجديدة وأصبح قدوته لاعب كرة، أو مغني كليبات.. أو صحفي أو طبيب مارس عمله غير مراعياً لشرف المهنة.. وأصبح النفاق والتملق والوصولية هي السمة السائدة في المجتمع.. وأصبح العنف بديلاً للغة الحوار.. ولا لقاء ولا تقارب ولا تعاون بين الفرقاء أو الأحزاب فكل تيار أو طائفة يعتقد أنه امتلك الحقيقة ولا أحد سواه.. نحن اليوم في أشد الحاجة إلى إعادة السلوكيات الأصيلة والقيم النبيلة، والأخلاق الحميدة، وطيبة المصريين.. وأرى “أن التغيرالسلبي في السلوك كان نتيجة طبيعية للخلل الذي نتج عن التغيير في التوازن الطبيعي للطبقات، والذي خلقنا الله عليه وشرع لنا الأحكام الخاصة بالتعامل والتكافل مع تعظيم العمل والمحافظة على كرامة وحرية كل إنسان”

 كانت السياسة المصرية راكدة فاترة في السنوات الأولى للاحتلال البريطاني، وكانت متجهة إلى مسايرته وتنفيذ مطالبه، ولكن مصطفى كامل جدد في اتجاه الأمة السياسي، إذ نادى بالجلاء، وطالب به انجلترا علناً وعلى رؤوس الأشهاد، وخرج على الأوضاع القديمة في اجتناب مغاضبة الاحتلال، ونادى بمقاومته وعد هذه المقاومة عنواناً للحياة والوطنية، فكانت يقظة، وكانت نهضة، وتجديد في الحياة السياسية.

 كان الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيلسوفاً من فلاسفة الإسلام وقف على حقيقة المبادئ والتعاليم الإسلامية، ورأى مبلغ التباين بينها وبين ما وصلت إليه الأوضاع الدينية في عصره من تأخر وجمود، فاتجهت نفسه إلى الإصلاح الديني، وحمل لواء هذا الإصلاح، وأظهر مبادئ السلام على حقيقتها، خالية من شوائب الجمود والبدع والتقاليد، التي كانت سبباً في تأخر الإسلام والمسلمين، وأبرز ما في القرآن الكريم من المعاني السامية التي تكفل للمجتمع الإنساني أسباب الحرية والتقدم، فكان بذلك مجدداً في الدين، جدده في الأزهر، وفي المحاكم الشرعية، وفي دروسه التي كانت منبع النور والعلم والحكمة، وجدده في عقول الناس، وخاصة الطبقة المثقفة من الأمة. ويعتبر التجديد بالرجوع إلى القديم من أصول الدين، وتنقية هذه الأصول الصالحة من تحريف وتشويه، وبهذا التجديد ردها إلى بساطتها الأولى، ومعانيها الروحية، ومثلها العليا.

كانت الحياة الاقتصادية والمالية في مصر عالة على البنوك الأجنبية، ولم يكن للمصريين بنك واحد، وكانت هذه البنوك تسيطر على حياة المصريين وتجعلهم تحت رحمتها وهم غالباً منصرفون إلى الزراعة، والقليل منهم يستثمر أمواله في الصناعة والتجارة. وألف الناس هذه الحالة، وإذا فكر بعضهم في إنشاء بنك وطني حال دون ذلك ضعف ثقة الناس في نجاحه، وإحجامهم وترددهم وتخاذلهم، وشعورهم بالنقص وتشككهم في كفاءة المصري للاضطلاع بأعمال البنوك. وخرج طلعت حرب على هذه الأوضاع والتقاليد، وأقدم على دعوته لإنشاء بنك مصري برؤوس أموال مصرية وإدارة مصرية، ونجحت دعوته ولقي تأييداً من الأمة – فأسس بنك مصر الذي صار ركن الحياة الاقتصادية في البلاد، وأضحى أساساً للنهضة الصناعية التي ازدهرت بشركاتها وتبين أن المصريين إذا حسن توجيههم، صار لهم من الكفاءة للحياة المالية والاقتصادية مالا يقل عن كفاءة الأمم الأخرى ويرجع الفضل إلى طلعت حرب، فهو أكبر مجدد في حياة مصر الاقتصادية.

كانت الدعوة إلى ترقية المرأة المصرية وتثقيفها ونبذ الحجاب القديم، هي من همومقاسم أمين، ودعا إلى نبذ الحجاب الذي اصطلح عليه الشرقيون قي عصور التأخر، لا الحجاب الشرعي، ويقول في كتابه “تحرير المرأة”: “إني لا أزال أدافع عن الحجاب وأعتبره أصلاً من أصول الأدب التي يلزم التمسك بها، غير أني أطلب أن يكون منطبقاً على ما جاء في الشريعة الإسلامية، وهو على ما في تلك الشريعة يخالف ما تعارفه الناس عندنا”. ودعا إلى السفور المشروع لا إلى السفور الخليع الذي يتعارض مع كل رقي وكمال، وإذا كان الناس قد ألفوا الحجاب القديم، فإن قاسم أمين بدعوته إلى نبذه يعد مجدداً وقد نجحت دعوته، وانقرض ذلك الحجاب القديم.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s