«ربيع» أم خريف العرب؟!

 «ربيع» أم خريف العرب؟!

المصدر | بقلم: د. سالم حميد

بعد مضي ما يقرب من ثلاث سنوات على ثورة الياسمين التونسية التي كانت نواة لما عرف لاحقاً بـ«الربيع العربي»، لابد من جردة حساب ووقفة مع التطورات التي غيرت الخريطة العربية. فقراءة سريعة لملامح المستقبل العربي تظهر أين وصلت تلك الدول في ربيعها الذي ربما تحول إلى خريف مستمر، فإذا أخذنا الشق الاقتصادي قد نذهل بمعرفة ما قدره الخبراء من خسائر ثورات العرب، حيث قُدرت بما يزيد عن 100 مليار دولار، وهذا العدد سيزداد بالتأكيد في ظل حالة عدم اليقين من المستقبل العربي، فآثار التسونامي الثوري الذي ضرب دولاً عدة لا تزال في ازدياد، خاصة إذا علمنا أن هناك دولاً بعينها لا يستطيع عتاة خبراء السياسة معرفة مستقبلها، والخسائر الاقتصادية هي جزء من المشهد، فهناك الجانب الإنساني، إذ نشهد في القرن الـ21 مآسي بشرية تجلت في عمليات قتل جماعية، حيث لا يمر يوم دون أن نقرأ أو نشاهد مجازر مرعبة. كذلك «سجلّ اللجوء» شكّل عاراً على المجتمع الدولي، فتأثير «الربيع العربي» تجاوز الاقتصاد والجانب الإنساني إلى جوانب أخرى قد تفتح مجالاً لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتشكيلها وفقاً لرؤية الغرب الذي قد يكون المستفيد الأكبر مما حدث في بلاد العرب.

كنا كمتابعين لما يحدث في بلدان «الربيع» قد هللنا وسررنا بما حدث باعتباره خطوة نحو إنهاء ديكتاتوريات وإطلاق يد الشعب في تحقيق مصيره، خاصة في الدول المحرومة التي نهب وسلب حكامها خيرات البلاد، وعم فيها الفساد، مما أدى إلى واقع صعب للغاية وغياب شبه تام للأمل، بدده البوعزيزي الذي طالب بحقه البسيط في أن يعمل ويكسب ويحقق إنسانيته. لكن ما حدث بعد ذلك فتح الأعين على مأساتنا كعرب، فنحن لسنا وحدنا في هذا العالم، حيث أن الضعيف سرعان ما يُسحق ويُستغل، وهذا بالضبط ما حدث، حيث إن دول الغرب متجسدة بالقوى العظمى، والتي هللت ونظّرت لثورات العرب، سرعان ما كيّفت الواقع العربي بما يتناسب مع أطماعها، لتخلق حالة من الانقسام في الشارع، قضت على الأمل في نفوس الشعوب من خلال عدة وسائل، حيث دعمت بشكل مبالغ فيها جماعات بعينها مادياً وسياسياً، كما حدث في حالة الإخوان المتأسلمين بهدف بناء دول تخضع مباشرة لدول الغرب والتأسيس لدول فاشلة ذات طابع ديني بغطاء ديمقراطي، تعطي شرعية لدولة إسرائيل «اليهودية» التي كانت المستفيد الأكبر من كل ما حصل في محيطها.

ففي تونس التي أطلقت الشرارة، لا يزال الواقع ضبابياً حيث الحكومة الإخوانية تتحكم بواقع البلد رغم الضمانات التي أعطتها لإنهاء الأزمة والالتفاف على المعارضة التي خرجت بمسيرات وعملت في خطى متسارعة من أجل إسقاط حكومة «النهضة» الإخوانية، التي قامت بدورها بمناورات سياسية ووافقت ثم ماطلت في الدخول بمفاوضات سياسية تهدف إلى استقالة الحكومة وتشكيل أخرى. ويظل الواقع التونسي بائساً حيث إن البلد الذي اشتهر لسنوات طويلة بأنه واحة الأمن والتنوع وقبول الآخر، أصبح يشكل خطراً على سكانه وعلى المحيط، كما انتشرت جماعات تكفيرية بالإضافة إلى جماعة «الإخوان» وغيرها، مما رسخ حالة شديدة من الانقسام توجت باغتيالات سياسية لقياديين أمثال المعارض اليساري شكري بلعيد، الذي قُتل غدراً بالرصاص، وكذلك النائب عن حركة الشعب المعارض محمد البراهمي، مما أسس لحالة من إلغاء الآخر قائمة على القتل والاغتيال، والتي تُتَّهم أطراف في الحكومة بمسؤوليتها عن حالة الانفلات الأمني.

أما في ليبيا فحدِّث ولا حرج عن بلد أصبح منقسماً في كافة الاتجاهات ليصبح بلد ميليشيات تحمل أسلحة من كافة المقاسات ضمنها مضادات الطيران، حتى أن إحدى هذه الميليشيات المحسوبة على طرف سياسي، قامت مؤخراً بخطف رئيس الوزراء الليبي علي زيدان! ودائماً ما نسمع عن اشتباك بين الميليشيات لتكون ليبيا بحق ضمن الدول الفاشلة على الرغم من كونها تمتلك ثروة نفطية هائلة، تؤهلها لتكون في مقدمة الدول. وليس بعيداً عن ليبيا تقبع مصر التي شهدت ثورتين، الثانية عزلت محمد مرسي الرئيس الأسبق وجماعته (الإخوان المتأسلمين) من السلطة، بعد عام قادوا البلاد إلى الهاوية، محاولين تأسيس دولة إخوانية كاملة المواصفات، لكن الشعب المصري سرعان ما اكتشف أهداف الجماعة لينهي حكمهم. ومع أن النظام الحالي يحاول جاهداً إخراج مصر وانتشالها إلى مستقبل أفضل، إلا أن محاولات «الإخوان» إحراق البلد وإخضاعه للفوضى مستمرة، مع نمو الجماعات التكفيرية في شمال سيناء، ما جعل المستقبل ضبابياً إلى حد كبير.

وكذلك اليمن الذي كان سعيداً فيما مضى، وبعد ثورة أطاحت بالنظام السابق على أمل أن يكون المستقبل أفضل، برزت نزعات انفصالية جنوبية تسعى إلى ترسيخ الانقسام، أيضاً تبرز «القاعدة» بسطوتها والحوثيون بمساعيهم الانفصالية، وليس بعيداً عن كل ذلك ما تقوم به الحكومة الحالية من فرض العزل السياسي بهدف التخلص من خصوم الأمس. ولا ننسى أن اليمن أصلاً يعاني من انتشار السلاح والفقر الشديد الذي يكفي وحده ليجعل البلاد ضمن الدول الفاشلة.

أما آخر الدول التي انضمت إلى دول «الربيع»، لكنها حكاية مختلفة تماماً فهي سوريا، حيث تحوّل الصراع من ثورة شعبية ضد النظام إلى حرب دموية، أبطالها كُثر من الجيش النظامي إلى الجيش الحر، ثم «القاعدة» متمثلة بـ«النصرة» و«داعش»، إلى الأكراد، وليس نهاية بقطّاع الطرق واللصوص والميليشيات التي لا تعد، حيث أصبح كل العالم يقاتل على أرض سوريا، وتنوع اللاعبون من دول إقليمية وغربية، كلّها لها ميليشيات تقاتل بالوكالة. ويبدو أن مستقبل البلاد مجهول تماماً مع ارتفاع عدد القتلى إلى ما يتجاوز الـ100 ألف، حسب إحصاءات الأمم المتحدة، أما عدد اللاجئين فقد تجاوز مليوني شخص حسب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، ليتجاوزوا بذلك أي لاجئين آخرين، وسط شلل دولي يشكل عاراً في جبين البشرية، حيث إن دول العالم لم تتخذ ما يكفي من إجراءات في دعم أو مساعدة اللاجئين. وهنا لابد من التذكير بالدور الإماراتي المشرّف في هذا المجال، حيث قدمت مساعدات عدة منها على شكل برامج إغاثة متكاملة في الأردن ولبنان، كما أسهمت لصالح دول عدة بمساعدات ضخمة منها مصر واليمن، لكن بكل تأكيد ذلك لا يكفي ويجب على دول العالم أن تأخذ دوراً على الأرض وليس فقط من خلال التصريحات، حيث إن مستقبل دول «الربيع العربي» مرتبط بمواقف الدول الكبرى التي يجب أن تقول كلمة السر لتنهي مآسي العرب كما ساهمت في تأجيجها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s