“حمدين صباحي” والإخوان

بقلم: أحمد ابوالنيل

في أزمات الأوطان الكبرى والحادة والمصيرية لا مكان للمناطق الرمادية، ولا موقع لأنصاف الحلول، أو الرؤى الضبابية أو المواقف الحيادية، ومما لا شك فيه أن الفترة الممتدة من 25 يناير 2011 وحتى تاريخ كتابة هذه السطور، في حياة مصر والشعب المصري أو ما يطلق عليه مراحل “السيولة الثورية ” التي تعقب عادة التحولات التاريخية الكبرى في تاريخ الأمم والشعوب، قد عرت وجوهاً كثيرة بصفوف النخبة المصرية من مثقفين وسياسيين وقادة رأي وفكر، فسالت مساحيق تجميل كانت تكتسي بها وجوه، وسقطت أقنعة كانت تختفي وراءها نجوم لامعة، وكشفت عن إصابة الكثيرين بشيزوفرينيا سياسية وفكرية، وأخشى أن أقول ومرضية، هي بحق مرحلة كاشفة وصادمة ومريرة لكنها طبيعية.

حالة “السيولة الثورية”، التي نأمل ونتطلع أن يكون المضي قدماً بتطبيق خارطة الطريق، وانتخاب رئيس للجمهورية، أن تتجاوزها مصر لتؤسس لنفسها نظاماً سياسياً جديداً، وتدشن بدايات مرحلة مغايرة وحافلة ومضيئة بتاريخها، تلك الحالة التي دفعت البعض داخل مصر وخارجها أن يكفر بأهداف الثورة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وهو غير مدرك أن تلك الحالة أو المرحلة متلازمة من ضمن متلازمات الثورات الكبرى في التاريخ الإنساني، عرفتها الثورة الفرنسية وجربتها الثورة الأمريكية والروسية وكل ثورات العالم، قد تطول أو تقصر بحسب حجم التحديات التي تواجه عمليات إقامة نظام جديد والقدرات النسبية للأمم والشعوب.

أتذكر خلال العشرين عاماً الأخيرة من حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك، كان الإخوان يتمتعون بحرية العمل السياسي، وكانت 80 % من مجالس إدارات النقابات المهنية من أطباء ومهندسين وتجاريين وصحفيين وتطبيقيين ومحامين وغيرها مجالس إخوانية، كما كان مقرهم القديم بمنطقة منيل الروضة بالقاهرة زاخر بحيوية باجتماعات مكتب الإرشاد واللجان النوعية، بل والمؤتمرات الصحفية، وأتذكر أيضاً خوض الإخوان لمعظم الانتخابات البرلمانية بالعام 1984، دخلوها متحالفين مع حزب الوفد، وبالعام 1987 دخلوها متحالفين مع حزب العمل، وباقي الانتخابات دخلوها مستقلين، وكان آخرها بالعام 2005 والتي فاز فيها الإخوان بـ 88 مقعد.

كان ذلك متزامناً مع ضربات أمنية متلاحقة للجماعة وأعضائها واختراق أمني لكافة الجماعات الإرهابية والتكفيرية التي خرجت من عباءة الإخوان، وما يهمني هنا التركيز عليه والإشارة إليه أن النجوم اللامعة في زمن الثورة، والتي تملأ الدنيا صياحاً وصراخاً وتنديداً وشجباً لإرهاب الإخوان، يؤسفني القول أنهم كانوا أبرز حلفائهم قبل الثورة، وأشرس المدافعين عنهم، بل أصلب الداعين للنظام بالموافقة على تأسيس حزب سياسي يحمل اسم الإخوان المسلمين، والمطالبين بضرورة إدماج الإخوان في الحركة الوطنية، بدعوى أن هؤلاء الإرهابيين كانوا من وجهة نظرهم فصيل وطني شأنه كل الفصائل الوطنية.

وكما قلت من قبل، عند تعرض الأوطان للأخطار يجب أن تختفي من قاموسنا كل مرادفات الحياد والممالئة، وعلى سبيل المثال المرشح الرئاسي الحالي “حمدين صباحي” القومي الناصري الموجود دوماً وأبداً بخندق المعارضة للنظام قبل الثورة، ومع كامل احترامي لشخصه إذ ليس مقصدي هنا التجريح، فهذا المعارض العتيد ارتبط تاريخه بالتعاون مع الإخوان، يهاجم النظام دوماً لحرمانه الإخوان من العمل السياسي بشكل قانوني رسمي، بل لا أنسى موقفه وأنا أشاهده على الفضائيات المصرية يرتدي وشاحاً أسود أمام مجلس الشعب المصري، حزناً وتضامناً مع النائب الإخواني “سعد عبود “، لصدور قرار من رئيس المجلس دكتور ” فتحي سرور ” والنائب العام في ذلك الوقت المستشار “ماهر عبدالواحد ”  بفصل النائب الإخواني من المجلس.

ذهلت ساعتها وأنا أرى “حمدين صباحي ” وهو يهاجم مع غيره رئيس المجلس والنظام، ويستبسل في الدفاع عن زملائهم الإخوان، وهنا أقصد “حمدين ” القومي الناصري وأكثر الناس علماً ومعرفة بكون الإخوان جماعة إرهابية وارتكبت عشرات من الجرائم والاغتيالات منذ تأسيسها بمدينة الإسماعيلية بالعام 1928 على يد “حسن البنا”.

كان “حمدين ” يدرك أن الإخوان ارتكبوا جرائم اغتيال محمود فهمي النقراشي باشا رئيس وزراء مصر، في عهد “الملك فاروق” واغتالوا “سليم زكي ” وكيل وزارة الداخلية، بعهدها بعام واحد، كما اغتالوا “المستشار أحمد الخازندار” بالعام 1947 وعندما غضب الملك فاروق وصدر القرار بحل الجماعة للمرة الأولى واعتقال 5000 عضو من أعضائها هرول “حسن الهضيبي ” المرشد الثاني بتاريخ الجماعة، لزيارة الملك ليخرج بعدها ليقول للصحفيين (زيارة كريمة لملك كريم).

كما كان “صباحي ” يدرك أن الإخوان حاولوا اغتيال الزعيم / جمال عبدالناصر بالعام 1954 بميدان المنشية بالاسكندرية، رداً على رفض “عبدالناصر” سيطرتهم على السلطة في مصر، وتهميش دور الضباط الأحرار التنظيم المفجر لثورة 23 يوليو.

كان يدرك أيضاً ذلك وغيره كثير وكثير، وكان هو وغيره من النخبة المصرية تدرك وتعي، ومع ذلك تحالفوا معهم، وروجوا لهم، وعقدوا معهم الصفقات، رغم معرفتهم بإرهابهم ودمويتهم وتاريخهم الأسود، وإنني كمواطن مصري وعربي وعلى وقع دماء المصريين الطاهرة التي تروي الشوارع كل يوم بل كل لحظة، في واحدة من الحروب الخالدة والمجيدة التي تخوضها مصر وشعبها وجيشها وأمنها، لا أبرىء تلك النخبة ورموزها من تلك الدماء الزكية، رحم الله شهداء مصر وقاتل الله المتلونين والمتحولين فرسان كل عصر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s